ولا نخرج في هذا الكتاب عن أفكار تضمنتها كتبنا المطبوعة، لا سيما الشيعة والدولة القومية، الذي لم نتعرض فيه لخلاف المذاهب وتفضيل مذهب على آخر أو الترويج لمذهب ضد آخر. فمثل هذا الحقل سيكون خاصًا بالمشتغلين في العلوم الدينية والفقهية. ونحن نشتغل بعلوم الفكر العام والسياسة العامة. فإذا اهتزت مشاعرنا لرأي أو لموقف أو لإجراء، فلأن في ذلك قربًا عاطفيًا أو إنسانيا أو اجتماعيًا لما نبغيه وليس لطابعه المذهبي الخاص.
وبهذا المنظور ندخل سقيفة بني ساعدة التي لم يكن للنص الديني رأي فيها. فقد كانت من اجتهاد الصحابي سعد بن عبادة وجمع من الأنصار.
والسقيفة سقف ليس تحته نوافذ. مشرع لرياح الجنوب والشمال. وزمان محتقن مأزوم في يوم قد ينقطع عن يوم قبله، أو يتصل بيومه السابق، فتمتد السلسلة الزمنية والروحية للمشروع الإسلامي إلى حيث نحن الآن في اليوم الأول من الشهر الأول للعام الهجري السابع والعشرين بعد الاربعمئة والألف.
عرب مسلمون ومسلمون عجم نختلف في الاختلاف، ونتفق في الاتفاق، وننشق بأنفسنا فرقًا وطوائف، لكن مشروع ابن آمنة آمن متماسك، واحده الله ونبيه محمد والشهادة قائمة والصلاة قائمة.
إن دور عمر في المكان المفتوح منحه دورًا مفتوحًا في زمان دائم. أنجبته تلك اللحظة الحضارية التي أغرب ما فيها وما في ذلك المكان غياب المقدس عنها. فلم ينص عليها في قرآن، ولم يشر إليها في حديث شريف. ولم يكن لعمر دور في تأسيس ذلك المكان الذي قدح فكرة خاطفة لصحابي من الأنصار، فأجتمع إلى جمع من قومه مدفوعًا بالنية الطيبة وبإحساس استراتيجي وشعور بالمسؤولية في وقت قضى الله فيه أمره، وتوفي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وسيحدث فراغ في إدارة المشروع المحمدي إن تركت الأمور على غاربها. فكانت دعوة الأنصاري سعد بن عبادة إلى اجتماع السقيفة، هي اللبنة الأولى لاستمرار المشروع المحمدي في غياب صاحبه. ثم جاء دور عمر بن الخطاب ليختطف اللحظة ويحدد أطار المؤسسة الجديدة ورجالها الذين سيتحملون المسؤولية.
وقد ضرب عمر ضربته وكأن لم يقل قائلنا اليوم إلا فيه وعنه.
فتى خبط الدنى والناس طرًا ……وآلى أن يكونهما فكانا