وفي رواية أقرب إلى مزاجه وواقع حياته، وتسند إلى عمر نفسه أنه كان يقول: كنت للإسلام مباعدًا وكنت صاحب خمر في الجاهلية، أحبها واشربها وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش، فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك في مجلسهم فلم أجد فيه منهم أحدًا، فقلت لو أني جئت فلانًا الخمار وكان بمكة يبيع الخمر، فخرجت إليه فلم أجده.. وبقية الرواية تنتهي بالكعبة ولقائه بالنبي وإسلامه.
لاتتعارض هذه الرواية مع قولنا بإسلامه بالصدمة وبالهاتف الوجداني، بل هي تؤكد أمرين: الأول أن بيئة عمر"الخاصة"ومحيط صداقاته صار للانحسار حد شعوره بالوحدة والغربة وهم ذهبوا إلى الدين الجديد. والثاني أن هذه الحالة لا تكون وعدد من أسلم هو 45 رجلًا لم يكن معظمهم من رواد ذلك الوسط وهم معروفون بانتماءاتهم الاجتماعية، فيكون رقمه في الإسلام تجاوز المائة كثيرًا، وإن كان حب المؤرخين له يجعلهم يختزلون في زمنه الجاهلي لصالح زمنه الإسلامي، فيستعجلون عليه بأرقام متقدمة لاينتقص من دوره طولها، ولايطيل في قامته قصرها. فحيث تقفر الحانات والمحلات ويهجر الخمار حانته فمعنى ذلك أن غالبية المجتمع قد أسلم. ومجتمع مكة لم يكن يتكون من 45 رجلًا وإحدى وعشرين امرأة ولا من تسعين هاجروا إلى الحبشة، فإذا أسلموا وهاجروا أقفرت مكة من أهلها!.
إن رقم عمر في لائحة المسلمين قد يرتفع إلى ضعف أعلى رقم حدده المؤرخون لو أخذنا بروايته. وعمر فيها كما كان في غيرها صادقًا مع نفسه واضحًا مع الناس، فصدقت مروياته ووضحت ملامحه.
دولة المشروع المحمدي
التجانس بعدالة التوازن
عبقري السقيفة:
ليس من شأن هذا الكتاب الولوج في بطون العقائد،ولا الاقتراب من هوامشها وحواشيها، وليس في منهجنا الوقوف بين مشتجر الخلاف وسطًا، ولا نذهب إلى سوق الاشتجار براية الهلال الأحمر.
وكقارئ يفزعني ما تقع عليه عيني من محاولات التوفيق التي تصفق لها الصالة، وتبتسم لها المنصة، حتى إذا انفرط الجمع وولوا الدبر، عاد أي منهم إلى كهفه القديم.