إن البرية، ولا بأس أن يحدد مصطلحها العلمي الحديث، أي الطبيعة، تعطي إحساسًا فطريًًا بالولادة الحرة لإرادة الكائن البشري محضونها الأكرم المتجول في جغرافيا اللامحدود، وتحت سيادة شبه مطلقة لمطلق الحرية، على حساب القانون الذي يتنحى في البرية إلى المراتب الدنيا، أعرافًا وتقاليد، لا تؤسس قواعد قانونية عامة. وما هو قانوني في العرف القبلي قد لا يكون كذلك في مفهوم دستوري واسع، والطبيعة سعة إلى ما وراء الممكن للحرية، وضيق إلى حد قطع النفس في المساحات المخصصة للقانون.
وفيما يقترب من الحاجة المادية في التطور البشري لقانون ينظم الحياة وعلاقات الإنسان مع بعضهم ومع الكائنات العليا، كان ظهور الإسلام في الجزيرة العربية استجابة متوقعة لتحقيق التوازن بين الحرية والقانون.
إن شخصية الصحابي إلى ما بعد عصر الصحابة بقليل يتعاون على تشكيلها وصياغتها عنصرا الطبيعة والإسلام، أي الحرية والقانون وإذا كان البشر مختلفين في الاستعداد الذهني والنفسي للانجذاب نحو أحد هذين القطبين، فإن النفوس المقدر لها النهوض بأدوار في التأسيس الحضاري ستنزع نحو القانون بجدية قد تثير حفيظة المستقرات الطبيعية في المجتمعات البرية.
إن عمر بن الخطاب شاخص مادي وروحي لاجتماع الحرية والقانون. ولكون القانون طارفًا أو ناشئًا في تلك المجتمعات، ولميل عمر نحو إلزامية القانون، كانت ولايته صعبة وثقيلة على قطاع من المتمرسين على الحياة بالقليل من القانون.
وكان القانون في شخصيته يتكلم بأطراف الدرّة في قضايا المخالفات العابرة والصغيرة ويأخذ مداه في مؤسسة القضاء، التي كتبت المقادير أن تنتعش بمستخرجات هذا البري النادر.
إن درة عمر، وسيأتي حديث عنها، تشبه الإشارات الضوئية في أيامنا في تنبيه المارة إلى حق الحركة والتوقف، فكانت بداية بسيطة لعصر سيدخل المجتمع العربي فيه إلى عالم القضاء الإسلامي المتشابك في عروق الاحتمالات والإشكالات ومزدحم الحلول المطروحة في مذاهب الفقه.
ودرة عمر الأجلى تعبيرًا عن مشترك الذاكرة البرية وقانون المدينة.
فتى عكاظ
التقى رجل راعيًا،ً فقال له: أشعرت أن ذلك الأعسر أسلم؟.
فقال الراعي: إنه الذي كان يصارع في سوق عكاظ. فلما أجابه الرجل أنه هو ذاك. قال الراعي: أما والله ليوسعهم خيرًا أو شرًا.