ولم يكن يوم إسلامه آخر عهد له مع البرية. وسلوكه مع أخته وزوجها كان بريًا خالصًا في لحظة إسلامه. فصرع ابن أخيه سعيد كما لو كان في حلبة عكاظ. وأدمى وجه أخته كما اعتاد في بريته. ثم عاد إلى صفاء النفس. وعادت رجولته البرية في هاتف من الضمير.
واستمر الرجل بعد إسلامه على برية واضحة في سلامة القصد وسهولة الحياة، ومزاجية شفيفة لا تثقل على الآخر وقع كلامه. وكانت من آثار البرية عليه معترضاته الشهيرة التي في أعلى مراحلها موقفه من نص في صلح الحديبية.
وكان عمر بري الحياة، وهو رئيس أكبر دولة في الشرق القديم، في هزئه بالترف، وافتراشه الأرض، وزهد عيشه، وبساطة لباسه. وفي مهابة التباسط بعض منعكسات حياته البرية الأولى.
ولا أجد تفسيرًا لعلاقة عمر بالبّرية دون غيره من الخلفاء سوى الدرة من صلة مع بريته الأولى يوم كان مسؤولًا عن رعي إبل وأغنام، وقد تحول إلى مسؤول عن رعية، محتفظًا بدور الراعي وهو يردد: لو أن جديًا مات بطفّ الفرات لخشيت أن يحاسب الله به عمر. وقيل في الرواية صيغة: لو أن عناقًا"أنثى المعزى"أخذت لأخذ بها عمر.
ويلاحق بعيرًا ندّ"أي هرب"من إبل الصدقة وهو على قتب يعدو، ويسأله الإمام علي ولمّا عرف سره، قال لقد اذللت الخلفاء من بعدك. وكان متيسرًا لعمر أن يكلف أحدًا غيره بالبحث عن ذلك البعير، لكنها مسؤولية الراعي وحده، وحيدًا في البرية، وكأن الحياة لم تتغير، ولم يكن عمر ساعتها أميرًا يحكم أعظم دولة ناشئة في الشرق. فلعل في قولنا هذا ماتلين له قلوب بعض الكتاب في العلمانية ومن أهل القطيعة، المتسائلين باستهجان: عن سبب ملاحقة عمر بنفسه لكثير من القضايا الصغيرة، وتحت سلطته ملايين الاتباع. وعدّوا ذلك من الغلو والمبالغة في تعظيم عمر.
وفي ظننا أن الأستاذ عباس محمود العقاد لم يرسم شخصية عمر بدقة في منهج استقراه واستقاه من حياة الجندية.
إن عمر ليس نتاج مكوّن وحيد، وإذا كانت البرية من بعض صغرى مكوناته. فلم تكن جندية العقاد ذات صلة بتلك الشخصية.