ولكن الذين أدخلوا هذا المصطلح إلى ثقافتنا هم الذين تأثروا بتلك الأفكار ، ورأوا أن يحققوا عن طريق إشاعتها مآرب وغايات في نفوسهم ، في ظل مطاردة كل ما هو أصيل وهيمنة كل ما هو غريب. وقد كَثُرَ استخدام هذا اللفظ بعد خروج المستعمرين من البلاد العربية والإسلامية ، وبروز اتجاه السيطرة على الشعوب المسلمة بحجة أنها جموع همج رعاع قاصرة عن التفكير والتصور والإدراك ، فكان لا بد من استجلاب مبادئ جديدة لتحل محل عقائدها البالية بزعمهم ؛ ثم وصْف هذه المبادئ المستوردة بشتى الأوصاف الحسنة البراقة ، وإضفاء أنواع من التزيينات عليها: كالتقدم ، والتطور ، والبناء، والتنوير، والتجديد ، والتحديث ، والعلمية ، والمنطقية ... الخ ، في حين يقذف الإسلام بأبلغ أنواع السباب والشتائم والأوصاف المقذعة مثل: الرجعية ، والغيبية ، والتخلف ، والجمود ، والتحجر ، والتقوقع و الظلامية ، والسلبية ، والتعصب ... الخ. وهكذا صار لفظ الرجعية يطلق على المسلمين المتمسكين بإسلامهم ، ومن غير المسموح لهم أن يردوا على التهم الموجهة إليهم ، والقذف الساقط على رؤوسهم ، بطريقة متكافئة مع الطرق التي يثلبون ويحاربون بها ... كل هذا لإسقاط الإسلام من نفوس أتباعه . فمن الأمور المفروغ منها عند جميع الناس على اختلاف عقائدهم ، المسلمون وغيرهم أنه لا أحد يرضى بأن تتوقف عجلة التاريخ عند نقطة معينة ، ولا أن يبقى النشاط الإنساني في مكان واحد ، وليس من مسلم يريد الرجوع بالناس إلى عصر ركوب الدواب بعدما ركبوا السيارة والطيارة والمركبات الفضائية ، وكذلك فإن الحملات الكلامية لا يمكن -لاعتبارات كثيرة- أن تتجه مباشرة وصراحة إلى دين الأمة إلا في حالات نادرة ، وفي أمكنة خاصة.