فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 19

أيها الأحبة إن الغزو الثقافي والفكري أخطر أنواع الغزو والسيطرة ، لأنه يجعل المغزو يتحرك وينشط بعيدًا عن هيمنة الأساطيل والأسلحة المنظورة ، ظانًا أنه يتحرك مستقلًا حرًا مالكًا زمام أمره ، ولكنه في حقيقة أمره مسلوب الإرادة ، مسخر نشاطه وجهوده من أجل الأرض التي أنبتت الثقافة التي تثير إعجابه ، فيرفع لواءها ، ويسير في ظلها ، وقد يموت ويميت جموعًا لا تحصى في سبيل ذلك. والمصطلح هو"الحبة"أو"الجرعة"السحرية التي يتناولها الفرد لتحول اتجاه تفكيره من جهة إلى جهة - إن لم تفقده التفكير أصلًا - ، وقد يتسلل إلى العقل العام تسللًا عبر الإذاعة والصحيفة والمناهج دراسية..فيُلْتَقَط ويُستعمل ويشيع ، ولا يمضي وقت قصير حتى تضاف إليه الشروح والحواشي ، وتشذب انعكاساته الضارة عن طريق تزيينه بأساليب المنظرين، فتمتد جذوره في أرضٍ وفِد عليها ، ويبدأ يعطي ثماره: فكرًا وافدًا وثقافة هجينة. ولنأخذ نموذجًا واحدًا من هذه المصطلحات الشائعة والتي جرت على الأقلام والألسنة أيامًا طويلة ، وهو كلمة"الرجعية".فماذا تعني هذه الكلمة في أذهان مبتدعيها؟ . وماذا تعني عند مردديها ، وخصوصًا في مجتمعات المسلمين ؟ . وما مدى الهوة بين مدلولها الأصلي ، من حيث الوضع ، ومدلولها في أذهان الناطقين بالعربية؟ . تقول الموسوعة السياسية عن معنى هذه الكلمة: هي نقيض التقدمية ، ويطلق الشيوعيون واليساريون هذه الكلمة على الأحزاب والتيارات التي تنادي ببقاء المؤسسات القديمة على قدمها. وبناء على هذا فإن هذا التعريف يبين لنا مَنْ وضع هذا المصطلح ، ومن روجه وهم (الشيوعيون واليساريون) ويطلقونه على خصومهم جملة . والشيوعيون وخصومهم، من حيث المبدأ والمنشأ، هم نتيجة لمجتمع وثقافة تختلف اختلافًا كبيرًا عن مجتمعاتنا وثقافتنا ، وليس المجال مجال تفنيد آرائهم والرد عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت