وَقَدْ حملوا: (( إتباع الماء ) )و (( نضحه ) )و (( رشه ) )، هذِهِ الألفاظ كلها حملوها عَلَى مَعْنَى الغسل، وَقَدْ أفاض الطحاوي في إيراد الآثار الدالة عَلَى أن هذِهِ الألفاظ قَدْ تطلق ويراد بِهَا الغسل [1] .
لَكِن هَذَا يؤخذ عَلَيْهِ: ان هذِهِ الألفاظ، وإن كَانَتْ تطلق أحيانًا عَلَى الغسل فإن الحال في مسألتنا هذِهِ لا يحتمل ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ يؤدي إِلَى تناقض تتنَزه عَنْهُ نصوص الشريعة؛ فحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عَنْهَا قَدْ جاء بلفظ: (( فدعا النَّبيّ - بماءٍ فأتبعه وَلَمْ
يغسله )) فإذا جَعَلَ أتبعه بمعنى غسله فإن المَعْنَى حينئذ يَكُون فغسله وَلَمْ يغسله.
وَكَذَلِكَ حَدِيث أم قيس بنت محصن قَدْ جاء بلفظ: (( فنضحه وَلَمْ يغسله ) )فلو حمل النضح عَلَى مَعْنَى الغسل لكان التقدير: فغسله وَلَمْ يغسله، وهذا تناقض غَيْر معقول.
وأيضًا فإن النَّبيّ - عطف الغسل عَلَى النضح في حَدِيث عَلِيّ - رضي الله عنه -، وعطف الرش عَلَى الغسل في حَدِيث أبي السمح - رضي الله عنه -، والعطف يَقْتَضِي المغايرة. فلو أريد بهما مَعْنَى واحدٌ، لكان عبثًا يتنَزه عَنْهُ الشارع [2] .
المذهب الثَّانِي:
نُسِبَ إلى الشَّافِعيّ قَوْلٌ: بأن بول الصبي الَّذِي لَمْ يأكل الطعام طاهر. ونسبت رِوَايَة إلى الإمام مَالِك: أَنَّهُ لا يغسل بول الجارية وَلاَ الغلام قَبْلَ أن يأكلا الطعام.
لَكِنْ ذكر الباجي [3] أن هذِهِ الرِّوَايَة عن مَالِك شاذة [4] . وذكر النَّوَوِيّ أن نقل هَذَا القَوْل عن الشَّافِعيّ باطل [5] .
لِذلِكَ لا حاجة للتعليق عَلَى هَذَا المذهب.
(1) شرح معاني الآثار 1/ 92، وما بعدها.
(2) فقه الإمام سعيد بن المسيب 1/ 37
(3) هو الحافظ أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعيد التجيبي الذهبي الباجي ولد سنة (403 ه -) من مصنفاته"المنتقى في الفقه"و"المعاني في شرح الموطأ"و"الاستيفاء"، توفي سنة (474 ه -) .
وفيات الأعيان 2/ 408، وتذكرة الحفاظ 3/ 1178 و 1180، وشذرات الذهب 3/ 344.
(4) المنتقى شرح الموطأ 1/ 128.
(5) شرح صَحِيْح مُسْلِم 1/ 583 - 584.