الصفحة 36 من 171

وَخَصَّ الإبل بالذكر لأنها أشد الحيوان الإنسي نفورًا، وفي تحصيلها بعد استمكان نفورها صعوبة، بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصف تفلت القرآن من الصدور بأنه أشد من تفلت الإبل في عقلها، ففي حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -:"فَلَهُو أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا"، وفي حديث أبي موسى - رضي الله عنه -:"أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإبِلِ فِي عُقُلِهَا"

فمعنى ذلك أن الإبل في عقلها تطلب التفلت والتخلص من رباطها فمتى لم يتعاهدها صاحبها تفلتت، فكذلك صاحب القرآن إن لم يتعهده تَفَلَتْ بل هو أشد من ذلك .

وقوله:"أَشَدُّ تَفَصِّيًا"التفصي: التخلص، يقال: تفصى فلان من البلية إذا تخلص منها، ومنه تفصى النوى من الثمرة إذا تخلص منها

قال ابن بطال:"هذا الحديث يوافق الآيتين: قوله تعالى: { إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا } ، وقوله تعالى: { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ } ، فمن أقبل عليه بالمحافظة والتعاهد يسر له، ومن أعرض عنه تَفَلَتْ منه" [1]

وقوله في حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -:"بِئْسَمَا لأحَدِهِمْ أَنْ يَقُولُ نَسِيتُ آيَة كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ"وكلمة نُسِّي رويت: بالتخفيف بفتح النون وتخفيف السين، ورويت بالتثقيل بضم النون وتثقيل السين .

قال الحافظ ابن حجر:"والتثقيل هو الذي وقع في جميع الروايات في البخاري، وكذا في أكثر الروايات في غيره، ويؤيده ما وقع في رواية أبي عبيد في الغريب بعد قوله:"كَيْتَ وَكَيْتَ ليس هو نَسِيَ ولكن نُسِّيَ...." [2] "

(1) شرح صحيح البخاري لابن بطال ( 10 /268 )

(2) فتح الباري ( 9/80)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت