الصفحة 9 من 63

متعة الرّجال و النّساء ببعضهم دون زواج. و لقد تواطأت العرب على قبول أكثرها ما لم تتهدّد اتّصال النّسل أو أعراض الأشراف.

و بمقتضى تباين هذه المواقف فقد اخترنا أن نقطع المحور في مرحلتين نأتي في الأولى على دور الحاجة إلى حفظ الأنساب في استقباح العرب للزنا ثمّ نعرض لأشهر طرائقهم في اتّقائه سواء بوأد المولودات أو بممارسة الطّقس الأسطوري الموسوم بالرّتم الكفيل، في أوهامهم، بالتّأكّد من عفّة الحليلة. ثمّ نورد في التالية أشهر رخصهم في المتعة بغير الأزواج فنوجزها في ظاهرة البغاء العلني الدارج لدى القبائل العربيّة، ثمّ في تجويزهم لنكاحيْ الخدن و البدل، وفي ممارستهم للاستبضاع.

و نطمح أن يبلّغنا هذا العرض إدراك حدود تأثير أوكد الأسس الثقافيّة في أحكام القرآن عبر المثاقفة التي نشبت بينهما، و أن يكشف لنا في فصول البحث الموالية عن مدى حضور الأعراف العربيّة القديمة، بخصوص الزنا، في الخلفيات الفكريّة و النفسيّة للنماذج المحددة من أعلام المذهب المالكي، و لمصادرهم من أئمّة أهل السّنّة صحابة و تابعين و أتباعا.

الزنا المرفوض من قبل العرب القدامى

عُرِف الرّجل العربيّ القديم بغيرته الشديدة على زوجته و الضّنّ بها عن الرّجال. و كانت المرأة بدورها تؤمن بهذه القيمة و تلتزم بها من خلال الامتناع عن مضاجعة غير الزّوج، فتواطأت العشائر العربيّة على هذا الموقف من زنا المُتزوّجات حتى صار لديها عُرفا مؤكّدا لا تعدوه الحرّة [1] من نسائهم. و لقد عبّرت هند بنت عتبة على هذا المعنى، و هي من هي في العَراقة بين العرب، حين اجتمعت نساء قريش لبيعة الرّسول في مكة - بعد أن دخلها في القرن الثامن للهجرة - و"فيهنّ هند .. فقال .. تُبايعْنَني على أن .. لا تزنين. قالت: و هل تزني الحرّة؟" [2]

و يكتشف مقلّب الأخبار في هذا المجال، لا محالة، أنّ لقيمة الغيرة هذه دواعيها التي تؤجّجها و توجّهها، و أوكدها - في ما نزعم - حرص العرب على اتصال أنسابهم لأهمّيتها في حماية العصبيّة الضامنة لكيان العشيرة. فأفرزت غيرتهم على نقاوة أعراضهم، المشروطة لاتصال النّسب، عوائد أخرى ساروا عليها ترقّيا إلى الحدّ من خطر الزنا، ومنها الوأد و الرّتم.

حفظ الأنساب

يعتبر الاِنتماء إلى العشيرة عند العرب القدامى العصبيّة الأساسيّة التي تعتصم بها القبائل. فتأسّست الرّابطة الأَوْلى بين أفرادها و مؤسّساتها في القرابة الدّمويّة و وحدة النّسب [3] . و لقد وصف الألوسي العرب بأنّهم"كانوا أشدّ الناس حاجة إلى حفظ الأنساب، و لذلك اِعتنوا بضبطها غاية الاعتناء، لمّا اِمتنعوا عن سلطان يقهرهم و يكُفّ الأذى عنهم ليكونوا متضافرين على من ناوأهم متناصرين على من شاقهم و عاداهم حتى بلغوا بألفة الأنساب تناصرهم على القويّ، فإنّ الرّحم إذا تماسّت تعاطفت" [4] .

و لقد انعكس هذا العُرف على نظام القبيلة السياسي و الاجتماعي، فمثل فيها أهل النّسب المتّصل أشرافَها و أركانَها. بينما اندرجت باقي مكوّناتها من الموالى والعبيد و أهل الجوار في منزلة أدنى فاختصّوا أساسا بالأشغال المعيشيّة للمجموعة، و تفرّغ الأشراف للقتال غزوًا و صدّا لارتباط بقائهم و رزقهم بالإغارة و السّلب باعتبار ندرة الموارد الاقتصاديّة في جزيرة العرب.

و يعود هذا الاحتفاء بالعصبيّة الدّمويّة، كما أشار الألوسي في الشاهد، إلى غياب نظام مدنيّ / سياسي يجمع الشتات العربي، فكان لكلّ عشيرة كيانها الخاصّ رغم تشابه أنظمتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة و السّياسيّة المختصرة عادة في طبقتين: يمثل أولاهما شيخ العشيرة و أهل مشورته من

(1) - كان التّرفع عن الزّنى خاصّا بالحرائر أساسا، أمّا الجواري و نساء الموالي فكان لهنّ وضع مختلف.

(2) - الطّبري:"تاريخ الأمم و الملوك"، دار صادر، الطبعة الأولى لسنة 2003، ج 2 ص 459. و انظر: القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن"، ج 1 ص 110 (تفسير سورة النساء: 4/ 24، المسألة الأولى) .

(3) - عرّف اِبن منظور النّسب فقال:"هو القرابة، و قيل هو في الآباء خاصّة .. و نسبت فلانا إلى أبيه .. إذا رفعت في نسبه إلى جدّه الأكبر":"لسان العرب"، دار إحياء التراث العربي، الطّبعة الأولى لسنة 1988، ج 14 ص ص:118 - 119. و نشير إلى أنّه رغم عدم اختصاص هذا المعجم في الفقه فإنّنا نضيفه إلى المعاجم المختصّة في مجالات بحثنا و نعتمد عليه في كشف بعض المعاني و المصطلحات الواردة في القرآن خاصّة لنبيّن حدود التزام الفقهاء و المفسّرين المالكيّة بمعانيه. غير أنّنا نشير إلى تأثر بعض هذه الشروح بالمقالات الفقهيّة و التفسيريّة.

(4) - الألوسي البغدادي:"بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب"، ج 1 ص 140.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت