الصفحة 8 من 63

و لكن من المعلوم أيضا أنّ القرآن قد تنزل محاورا لمنظومة القيم الثقافية و الدينية السّائدة في عصره بما يطرح السّؤال حول إمكانيّة إقراره لبعضها و هو يرسي موقفه من الزنا. فدفعنا جدل الخطاب القرآني مع الواقع الذي ظهر فيه إلى البحث في أصناف الوطء المحرّم و أحكامه من خلال الجهات التي نتصور أن الوحي قد استحضرها أكثر من غيرها. فاختصرناها في نموذجين أوّلهما ثقافيّ و هي الأعراف العربيّة القديمة، و ثانيهما ديني ونعني الكتاب المقدّس بعهديه القديم و الجديد.

و لكي نحقق المتاح من هذه المطالب المعرفيّة فإننا سنسائل، في محور أوّل، بعض المصنفات الجامعة لأخبار العرب القدامى في موقفهم من الزنا الذي أقاموا عليه إلى حين ظهور الإسلام.

ثمّ نتقصّى أحكام الزنا في التوراة و الإنجيل لتماثل موقفها المبدئيّ من الزّنا مع الموقف القرآني و لما تواتر في المصحف الإمام من نصوص تؤكّد قداسة هذين الكتابين و تحريفهما في آن، و أنّ القرآن إنّما تنزّل أصلا لتثقيفهما و إتمامهما ثمّ إرساء البشر على شريعته باعتبارها جامعة و شاملة لما ورد في الكتاب المقدّس بعهديه من أحكام أصليّة و خالصة من شائبة التصحيف.

فيكشف لنا تقليبها و تحليلها عن معاني الزنا التي أقرّها المصحف منها، و عمّا يمكن أن يكون قد أسقطه من أحكام باعتبارها مزيدة عن النص الأصلي بفعل التحريف.

و غايتنا الأولى من هذه المساءلة هي إدراك حدود تأثير الأعراف العربيّة القديمة من جهة و التوراة و الإنجيل من جهة أخرى في أحكام القرآن جرّاء تعالقه التاريخي و اللاّهوتي معها. و البحث أيضا في مدى تأثيرها في الأحكام الفقهيّة و الاختيارات التفسيريّة و التأويليّة.

و ننتهي، في المحور الآخِر، إلى الهدف الأساسيّ للفصل و هو تقصّي تعرّضات الوحي في المصحف الإمام للوطء المحرّم و تدبّر أساليبه في تحريمه و مقاصده منه.

فما هي حدود توافق القرآن أو تفارقه مع العرف العربي القديم و مع الديانتين السماويتين السّابقتين له في الموقف من الزنا و في طبيعة الأحكام المرصودة لآتيه؟

1 -1 / الزنا قبل القرآن

1 -1 - 1 / موقف العرب القدامى من الزنا

رأيْنا أن نعرض أوّلا موقف العرب القدامى من الزنا باعتبارهم أفق الانتظار الأصلي الذي توجّه إليه الوحي بالأمر و النّهي، فما القرآن سوى (حُكْمًا عَرَبيًّا) [1] و ما ترجمة معانيه بلغة العرب إلاّ لكونهم يمثلون النواة الأولى للدّعوة التي تفاعلت مع الوحي و تمثلته و كُلّفت بتبليغه. و لقد اخترنا لإعداد هذه المقاربة مصنف"بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب"للألوسي البغدادي و ارتضيناه عمدة لمصادرنا لما يحتويه من مادّة مركّزة و مختصرة عن أشهر المظان النّاقلة لأعراف العرب في الفترة السّابقة لظهور الإسلام: و لقد ذكر واضعه أنّه طمح إلى أن يظفر بكتاب"يشتمل على أحوالهم [العرب] قبل الإسلام و يحتوي على ما كانوا عليه في جاهليتهم من العوائد و الأحكام .. و قد التزمت الاختصار" [2] . و لكن دون أن نستغني عن بعض المصنفات الإسلاميّة النّاقلة لجانب من هذه العوائد و المواضعات العرفيّة العربيّة و أساسها"تاريخ الطّبري"و"تفسير القرطبي"باعتبار أنّ واضعيهما يُعدّان ممّن احتفى بإيراد أشهر أخبار العرب القدامى لتوظيفها في احتجاجهما لتصوراتهما التّاريخيّة و الفقهيّة.

احتشدت إذن في مظانّ أخبار العرب قصص و أمثال شاهدة على تصدّيهم لكثير من العلاقات الجنسيّة الحرّة المعتبَرة شائبة للعرض و قاطعة لاتصال النّسب. فقد اشتهرت غيرتهم المفرطة على نسائهم الضّامنات لها، ثمّ على بناتهم و سائر قراباتهم من النّساء. فتواضعوا على نسق من الأعراف يحفظ العرض حتّى يسلم النّسب من أيّ ريب. و لقد اشتطّوا في إقامتها و الدّأب عليها إلى حين ظهر الإسلام فثار القرآن على بعضها ليصرف النّاس عنها [3] .

بيد أنّ عوائد العرب تلك لم تتخذ موقفا محدّدا و صريحا من العلاقات الجنسيّة المعتبَرة زنا. إذ لم يكونوا يرفضون كلّ وطء خارج إطار الزّوجيّة، فقد رفعت المصادر ذاتها أخبارا عن ضروب من

(1) - سورة الرّعد: 13/ 37.

(2) - الألوسي:"بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب". دار الكتب العلميّة، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، ص 6.

(3) - انظر الجزء الأوّل من"بلوغ الأرب"، من ص 140 إلى ص 172.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت