الصفحة 7 من 63

و نطمح أن يُتيح لنا هذا الموقع من قضايا البحث إدراكَ الحدود و النتائج النّاجمة عن الجدل الثلاثي القائم بين أحكام النّصّ في الزّنا من جهة، و بين الفقه و التفسير من جهة ثانية، و بينهما و بين الضغط التشريعي الذي تسلّطه حركة الواقع على الفقيه من جهة أخرى.

غير أنّه لئن كانت هذه القضايا حضاريّة بالأساس فإنّها قائمة أيضا على أسس لغويّة باعتبار أنّ اللّغة هي المادّة النّاقلة و الصّائغة للتجربة البشريّة على مرّ العصور، و باعتبار أنّنا نبحث في تشريع مدوّن تؤثر صياغته - لا محالة - في توجيه فهم المستفتي أو القاضي أو الباحث للأحكام و ممارستهم لها، و باعتبار أنّ الفقه و التفسير يستندان إلى النّصّ القرآني، فتؤثر قضايا البيان الحافة به - حتما - على فهم المفسّر أو الفقيه. و لكلّ هذه الدّواعي فإنّنا سنتوسّل في مقاربة بحثنا - فضلا عمّا ذكرنا من أدوات و مناهج - بما يناسب قضاياه من علوم اللّغة العربيّة.

و سنسعى في هذا البحث أيضا إلى مراقبة استخدامنا للمصطلحات الأساسيّة، و محاولة استعمالها في معانيها الاصطلاحيّة العلميّة. فنعبّر مثلا بلفظ النّصّ عن القرآن، و بالمصحف عن المصحف الإمام، و بالوحي عن القرآن و السّنّة، و بالتفسير عن الجهد اللغويّ و البلاغيّ في تحقيق معاني الألفاظ و التراكيب القرآنيّة، و بالتأويل عن النظر العقلي في حمل الآيات على مقاصدها الممكنة.

غير أنّ سبيل بحث كهذا لا يمكن أن تكون خالية من العراقيل و الصّعوبات التي نحصي منها، أوّلا: ما أشرنا إليه من ندرة المراجع العلميّة النّقديّة المتناسبة مع منهج بحثنا و موضوعه. ثانيا: انفتاح مادّة البحث - الفقه و التفسير - على عدّة مجالات و قضايا ثقافيّة / لاهوتيّة واسعة و معقّدة و متفارقة، فاقتضى منّا ذلك أن نجمعها و نقاربها بأسلوب مركّز و مختصر يتناسب مع الضوابط الأكاديميّة. و اكتفينا في كثير من الأحيان بالإحالة على هذه القضايا في الهوامش، و هو ما يبرّر إكثارنا من التعليقات فيها.

و في النهاية فإنّ بحثنا لا يدّعي أبدا الإحاطة بكلّ القضايا الحافّة بمشغل الزّنا سواء في"المدوّنة"و"الجامع"أو في الفقه المالكي و إنّما هو محاولةٌ لتثوير أشهر المسلّمات التي دفعت المسلمين إلى الخضوع للأحكام الفقهيّة في الزّنا بالتركيز على ظاهرة عدولها عن أحكام النّصّ، و سعيٌ إلى رصد أهمّ دوافع هذا العدول و نتائجه.

الفصل الأوّل

1 / أحكام الزنا في القرآن

المقدمة

يعدّ القرآن - كما أشرنا في مقدّمتنا - أهم المصادر التشريعيّة للمسلمين لما ثبت عندهم من قداسته وعصمته و شموله، و لأنّه الباعث الأساسي للتشريع الإسلامي. ولقد دفعت هذه العقيدة الفقهاءَ إلى الادعاء بأنهم يستحضرونه في كامل الفتاوى التي يقدّونها استجابة للنوازل المستجدّة و توظيبا للفضاء الإسلامي المتنوّع. فأدّت هذه الوعود و الالتزامات النظريّة الأصوليّة بجماعات المسلمين إلى التسليم بأنّ الأحكام جميعها قائمة على حرفيّة النّصّ، و في أقصى الحالات على مقاصده الأصليّة، و أنّ قبولها و ممارستها واجب تعبّديّ مثلما هو التزام اجتماعيّ لما اكتسبته من قداسة حين أضيفت إلى الخطاب الإلهي المعصوم.

و بما أنّ بحثنا في هذه المسائل محدود بمشغل الزنا فقد بدا لنا أنّ مُساءلة المسلّمات التويولوجيّة في توقيفيّة هذا الحدّ كما صاغته المقالات الفقهيّة - التي يعتبر الرّاسخون من أتباع مالك بن أنس من طلائعها - أمر مشروع و أساسيّ لبحثنا و يقتضي منّا قراءة الآيات المتعرّضة للوطء الفاسد في القرآن قراءة تلقائيّة و نائية عن أيّ مؤثر أصوليّ أو فقهيّ أو تفسيريّ أو كلامي حتّى نتمكّن من استخلاص الموقف القرآني من الزنا و من كشف أساليبه ومقاصده في تحريمه. و لكي نشخص، في مراحل البحث التالية، المسافة التي يمكن أن تكون قد فصلت بين النّصّ و الفتيا في هذا الحدّ عند أشهر الفقهاء و المفسّرين المالكيّة. فكيف أبان القرآن عن موقفه من الزنا؟ و ما هي أحكامه فيه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت