بين معظمها لتقاربها في النشأة و اجتماعها على معظم الأصول. و ثانيها: ظهور مدوّنة بحثنا في ثلاثة أمصار إسلاميّة عرفت بإشعاعها العلمي و تأثيرها في الأقاليم المجاورة لها، و هي إفريقيّة موطن سحنون و مصر و الأندلس موطنا القرطبي و ابن القاسم، و لقد أتاح هذا الامتداد للمالكيّة مجادلة أتباع سائر المذاهب و مناظرتهم و التأثر بهم في الآن ذاته. ثالثها: ما بيّنّاه من عدم اقتصار القرطبي الذي آل إليه علم المالكيّة على أقوال إمام مذهبه و أتباعه و سعيه إلى الانفتاح على معظم المذاهب. غير أنّنا لن نتقصّى هذه المذاهب في مظانّها إلاّ متى ما دعتنا الحاجة إلى تحقيق الأقوال و التوسّع فيها، و سنكتفي في الغالب بمقاربة ما حضر منها في مدوّنتنا.
و لقد رأينا أنّ أنسب أسلوب لتقليب هذه القضايا هو إقامة بحثنا على ثلاثة مناهج أساسيّة هي الاستقراء و المقارنة و النقد. فينهض المنهج الأوّل بعرض المادّة و توظيبها و تفصيلها، و يُتيحُ لنا الثاني رصدَ تطوّر مقالة المالكيّة في حدّ الزّنا و كشف تنوّع طروحاتها بين الفقه و التفسير، و يمكّننا المنهج الثالث من مساءلة المادّة الفقهيّة و التفسيريّة على مستوى الاتساق و الموضوعيّة و الوفاء للنصّ القرآني الذي تقوم عليه - افتراضيّا و أصوليّا - المقالتان الفقهيّة و التفسيريّة في الزنا، و يتيح لنا كذلك البحثَ في مدى تأثر أحكام الوطء الفاسد بفاعل الواقع، و مظاهر تعالقها مع الخلفيات الثقافيّة و اللاّهوتيّة المستحكمة في موقف المجتمع الإسلامي من الزنا.
و ذلك يعني أنّنا سنسعى إلى مقاربة قضايا بحثنا بالأساس بواسطة أدوات علميّة أنتروبولوجيّة و تاريخيّة نائية عن الترجيع و التمجيد المُحيد عن الموضوعيّة باعتبارها إحدى شروط العلم الأساسيّة.
و لقد جسّمنا هذه المناهج بتقسيم البحث إلى أربعة فصول رأينا أنّ حضورها و ترتيبها يكفل إلى حدّ بعيد الإحاطة بمعظم قضاياه و فق نسق منطقيّ متدرّج يستقرئ الظاهرة و يرصد مجالات تجلّيها و ملابسات نشأتها و عوامل تطوّرها، و يتيح في النهاية إدراك مظاهر تأثير الواقع التاريخي و حدوده في توجيه تعامل السّلف مع أحكام النّصّ المقدّس في الزّنا.
و لقد خصّصنا الفصل الأوّل للبحث في صدى موقف القرآن من الزّنا في الأعراف العربيّة القديمة و في الدّيانتين الكتابيّتين السّابقتين له - التوراة و الإنجيل - لنرصد حدود موافقته لها، ثمّ نعرض موقفه من الوطء الفاسد و خصائص خطابه البيانيّة و التشريعيّة من خلال قراءة تلقائيّة و موضوعيّة و مستقلّة للآيات المتضمّنة لأحكام الزّنا و لغيرها ممّا كافحه أو أشار إلى علاّت تحريمه، فنجعل القرآن مرجعا و ضابطا أساسيّا لتقييم الأحكام الفقهيّة و المقالات التفسيريّة لثلاثة اعتبارات أساسيّة، أوّلها: تسليم الفقهاء أنفسهم بشموليّة النّصّ القرآني و عصمته. ثانيها: أنّه الشارع الأساسي للأحكام. ثالثها: أنّه النّصّ الوحيد الذي وقع تدوينه منذ عهد الصّحابة، فرغم ما شاع من اختلاف بينهم في إثبات آياته و سوره و نظامها فإنّه قد انغلق منذ تلك الفترة و تفادى ما وقعت فيه الأحكام السّنّيّة من تصحيف و زيادة على امتداد قرون. و لقد دفعنا هذا الواقع إلى فصل السّيرة [1] عن القرآن و جمعها مع الأحكام الفقهيّة رغم صدورها عن ذات النّبوّة الصّادعة بالقرآن. و سيأتي تفصيل هذه القضايا في مواضعها من البحث.
ثمّ جعلنا من الفصل الثاني مناسبة لاستقراء مقالة الزّنا في"مدوّنة سحنون"لنتبيّن مدى منطقيّة مسائلها و حدود توافقها مع مقاصد القرآن، و لنتقصّي مصادرها.
و قاربنا في الفصل الذي يليه المادة التفسيريّة الخاصّة بآيات الزنا التي صاغ القرطبي بعضها و أثر معظمها، و نبيّن موافقاته و مخالفاته لمقاصد النّصّ و لفتاوى أسلافه، خاصّة في"المدوّنة". ثمّ نصنّف مصادره و نقاربها.
و انتهينا في الفصل الأخير إلى كشف أهمّ الدوافع الفقهيّة و العمرانيّة لعدول المالكيّة عن كثير من أحكام القرآن و مقاصده في الزّنا.
(1) - سيكون مرجعنا الأساسي لأخبار السّنّة"موسوعةُ الحديث الشريف"المرقونة على قرص مضغوط من إنتاج"شركة صخر العالميّة لبرامج الحاسب"لسنة 1996. و قد حثتنا على ذلك عدّة خصال فيها، أهمّها: انتشار هذه المدوّنة الإلكترونيّة و توفرها، اشتمالها على أهمّ مصنّفات الحديث السّنيّة و هي الموسومة"بالكتب التسعة"، دقتها العالية التي اختبرناها من خلال عرض بعض نصوصها على مصادرها في المظانّ المطبوعة، سهولة أخذ الأحاديث منها، إمكانيّة تخريج الخبر من سائر المصنّفات، إمكانيّة عرض الرّواية على ضوابط الجرح و التعديل التي اعتمد المبرمج في إعدادها على أمّهات مصادر علوم الحديث، و هي:"معرفة علوم الحديث"للحاكم النّيسابوري،"علوم الحديث"لابن الصّلاح،"نزهة النظر"لابن حجر العسقلاني"،"أسْد الغابة"لابن الأثير،"تدريب الرّاوي في تقريب شرح النّواوي"للسّيوطي."