الصفحة 5 من 63

-مكانته عند عامّة المذاهب الفقهيّة باعتبار قيام واضعه بجمع أشهر أقوالها و ترجيحها على مذهب إمامه و أتباعه في مقامات عديدة.

-جمْعَ القرطبي بين منهج المغرب و الأندلس و إفريقيّة في التفسير من جهة و منهج الشرق الذي حصّله من إقامته في مصر من جهة ثانية.

-احتفاءه في مصنّفه بتفسير آيات الأحكام. و هو منهج يتيح لنا رصد مذاهب الرّجل - الذاتيّة أو المأثورة - في تأويل أحكام الزّنا، و وسائله في التعامل معها، و الوقوف على مظاهر تعاطيه مع الموروث الفقهي القائم افتراضيّا على مقاصد النّصّ القرآني.

-تميّزَ"الجامع"عن سائر مصنّفات التفسير بإطناب واضعه في عرض الأقوال الفقهيّة و تغليبها في عدّة مقامات على التفسير رغم أنّه موضوع التصنيف الأساسي، فهو مدوّنة تفسيريّة / فقهيّة مثلت مناسبة من أهمّ مناسبات اجتماع هذين الفنّين. فماذا كانت أهداف القرطبي من هذا المنهج؟

-تأكيد تراجم القرطبي على تحصيله لثقافة فقهيّة و لغويّة موسوعيّة مكّنته من التصنيف في مجالات دينيّة مختلفة و من الإحاطة بشتى المذاهب و الأقوال و الفروع. فكيف وظف هذه المعارف في التفسير؟

كما دفعنا إلى اختيار هذين المصنّفين"المدوّنة"و"الجامع"- فضلا عن انتساب واضعيْهما إلى نفس المذهب - نشوب عدّة علاقات بينهما منها ما تجلّى بالقوّة و منها ما تجلّى بالفعل، و لعلّ أهمّ هذه العلاقات أن تكون:

-التقاء تسميتهما عند معنى الشمول و الإحاطة ("المدوّنة"و"الجامع") و لقد سعى سحنون بالفعل إلى الإحاطة بمعظم النوازل التي بلغته أو افترضها، ثمّ نحا القرطبي نحوه فجمع أشهر الأقوال في تفسير آيات الزنا و تأويلها و في استنباط الأحكام منها، و تؤكّد ضخامةُ المصنّفين التقاءهما عند صفة الشمول التي أتاحت لهما الإحاطة بمعظم خصائص الفقه السّنّي عموما و المالكي خصوصا. فما هي حدود الموافقات بينهما؟

-ظهورهما على رأسيْ مرحلتين هامّتين في تاريخ الفقه الإسلامي باعتبار أنّ"المدوّنة"قد صنّفت في مراحل النّشأة بينما وُضع"الجامع"في مرحلة الاكتمال و الترجيع. و يتيح لنا ذلك رصد جانب من مظاهر تطوّر المقالتين الفقهيّة و التفسيريّة المالكيّة.

-اطّراد عرض القرطبي - الذي انتهى إليه الفقه و التفسير - لأقوال سحنون و ابن القاسم إمّا للبرهنة بها على مذاهبه في التّأويل و ترجيح الأحكام أو لمناقشتها و تبريرها و ترشيدها.

و معلوم أنّنا قد صغنا عنوان بحثنا في عبارة:"حدّ الزّنا من مدوّنة سحنون إلى تفسير القرطبي". و لقد دفعتنا إلى هذه الصياغة جملة من الأسباب و الخصائص الكامنة فيها لعلّ أهمّها:

-أنّها محيلة في تقديرنا على أهمّ القضايا الحافّة بحدّ الزّنا في الفقه و التفسير المالكيين من خلال المدوّنة المختارة.

-أنّها تركّز البحث و تخصّصه بالأساس في حدّ الزنا دون سائر المشاغل الحافة به باعتبار أنّ إحدى أهمّ غاياتنا من البحث هي رصد مظاهر حضور أحكام الوطء الفاسد عند سحنون و القرطبي، و مقاربة دوافعهما و آلياتهما في الفهم و التّأويل و الإفتاء و الترجيح.

-أنّها مُحيلة على أهمّ مراحل تطوّر المقالتين الفقهيّة و التفسيريّة المالكيّة في حدّ الزنا. و يُتاح ذلك أساسا برصد اختلافات القرطبي و موافقاته لأحكام"المدوّنة"التي تيسّر له الاطّلاع عليها.

غير أنّنا نشير إلى أنّ منهجنا لن يكون كرونولوجيّا بالمعنى التاريخي التامّ للمصطلح رغم إيحاء صياغة موضوع البحث بذلك باعتبار أنّ هذا العمل يستوجب مقاما أرحب من مقامنا المحكوم بالضوابط الأكاديميّة الجامعيّة. و لذلك فإنّنا لن نحصي أو نفصّل كلّ مراحل تاريخ الفقه الممتدّة على نيّف و أربعة قرون تفصل سحنونا عن القرطبي و إنّما سنكتفي بالإشارة إليها خاصّة في المحور الذي سنخصّصه لتقصّي مصادر القرطبي في جامعه باعتبار أنّ تأخّره الزّمني قد أتاح له المتْح من أهمّ المصنّفات و المذاهب التي ظهرت على امتداد تلك المرحلة، و الإحالة عليها فيه.

و نشير كذلك إلى أنّه رغم اختصاص بحثنا في الفقه المالكي فإنّه مدفوع بالضرورة إلى مجادلة معظم المدارس و المذاهب الفقهيّة. و يعود ذلك إلى ثلاثة أسباب على الأقلّ، أوّلها: العلاقات العضويّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت