أشرافها و فتيانها الفاعلين و باقي أفرادها المنتسبين إليها. و يمثل ثانيتهما الموالي و العبيد و غيرهم من عُمّار العشيرة. فكانت الرّابطة الدّمويّة أهمّ ضمانة لأمن القبيلة [1] السّياسي و العسكري و الاقتصادي و الاجتماعي على السّواء.
و تداعيا لكلّ هذه المعطيات فقد كان لزاما على العربيّ أن يتحرّى نسبه ونسب سلفه و خلفه حتّى يطمئنّ إلى نقاوته باتصاله بأصول العشيرة. و بما أنّ الزنا يعتبر أهمّ المخاطر التي تحدق بصحّة اتصال النّسب فقد استبشعته العرب و تباهت رموزها بالتّعفّف عنه خصوصا إذا ما كانت العلاقة الجنسيّة ستقام مع إحدى زوجات الأجوار و الأقارب أو بناتهم، أو بينهنّ و بين الغرباء و هو أنكى عندهم لما يترتّب عليه من عدوان على اتّصال النّسب و على شرف العشيرة."قال عنترة [من الكامل] :"
وأغض طرفي ما بدت جارتي .. حتى يواري جارتي مأواها" [2] "
فكان تعفّفهم عن نساء بعضهم بمثابة العقد الاجتماعيّ الملزم للجميع. بيد أنّ موقفهم هذا من الزنا لم يبلغ أن تُرصد له عقوبة محدّدة و إنّما سعت العرب إلى التّوقّي منه بطرائق مختلفة.
من أساليبهم في التّوقّي من الزنا
? الوأد
بلغ حرص العرب على حفظ أنسابهم من أيّ معرّة حدود الشّطط بالعدوان على مولوداتهم بالوأد. فقد ذكر الألوسي أنّهم وصلوا"في الغيرة إلى أن جاوزوا الحدّ، حتّى كانوا يئدون البنات مخافة لحوق العار بهم من أجلهنّ أي يدفنونهنّ و هنّ أحياء" [3] .
فيبدو الوأد بهذا المعنى و كأنّه عقوبة وقائيّة و استباقيّة على فعل الزنا الذي قد تأتيه الرّضيعة حين تُخصب فتقطع به النّسب و تلطّخ به العرض، أو أن تُسبَى في غارة فتصير ذلّة للقبيلة.
و لكن الخوف على العرض لم يكن الدّاعي الوحيد للوأد، بل كانوا يخشون أيضا على بناتهم المهانة عند الأزواج بعد أن تفتر رغبتهم فيهنّ ذلك أنّ"أخطر الأحوال بالمنكوحة .. أنّ الشهوات غايات متناهية يزول بزوالها ما كان متعلّقا بها، فتصير الشهوة في الابتداء، كراهيّة في الانتهاء و لذلك كرهت العرب في الجاهليّة البنات، و وأدتهنّ إشفاقا عليهنّ و حَميّة لهنّ من أن يبتذلهنّ اللّئام بهذه الحال" [4] .
و مهما تعدّدت مبرّرات الوأد و دواعيه فإنّ وقاية الأعراض من احتمالات التدنيس تبقى، في تصوّرنا، الدّاعي الأوكد لإتيان هذا الجرم لما اشتهرت به العرب من غيرة على النّساء. فلم يكفّوا عن هذه العادة إلاّ حين ظهر الإسلام فحظرها.
و أمّا طريقتهم في تنفيذ الوأد فقد كانت في الغالب بإحدى طريقتين ذكرهما الألوسي. فإمّا أن ينتظر الأب"حتّى إذا كانت [الوليدة] سداسيّة .. حفر لها بئرا في الصّحراء .. ثمّ يدفعها من خلفها و يُهيل عليها التّراب حتى تستوي البئر بالأرض". أو أنّ"الحامل إذا قربت ولادتها حفرت حفرة فمخضت على رأس تلك الحفرة فإذا ولدت بنتا رمت بها في الحفرة فإذا ولدت ولدا حبسته" [5] . فيستحيون البنين ليكونوا عُدّة و سندا للعشيرة و يُقتِّلون البنات وقاية للشرف و نقاوة النّسب.
? الرّتم
كما بلغ جزع العرب على قيمة العرض التي نشأت أصلا تداعيا للغيرة على نقاوة الأنساب أن هرعوا إلى الخرافات و الأساطير لكشف ما قد يُحدق بها من رَِيبٍ، فكان"الرّجل منهم إذا سافر عمد إلى خيط فعقده في غصن شجرة أو في ساقها فإذا عاد نظر إلى ذلك الخيط فإن وجده بحاله علم أنّ زوجته لم تخنه و إن لم يجده أو وجده محلولا قال: قد خانتني. و ذلك العقد يسمّى الرّتم" [6] . و نلمح أنّ هذه العادة مقتصرة على مراقبة الزّوجات دون البنات أو القريبات لأنّ الغيرة و إن شملتهنّ فهي على
(1) - نميّز بين مصطلحيْ العشيرة و القبيلة لأنّ الأوّل عادة ما يطلق على القرابات الدّمويّة بينما يتّسع الثاني لكلّ الجماعة المنخرطة في فضاء واحد و إن لم تنتسب إلى العشيرة.
(2) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن"، ج 5 ص 343 (تفسير سورة إبراهيم: 14/ 43) .
(3) - الألوسي:"بلوغ الأرب"، ج 1 ص 140.
(4) - نفسه، ج 2 ص ص 8 و 9.
(5) - نفسه، ج 3 ص 43.
(6) - نفسه، ج 2 ص 316.