الصفحة 11 من 63

الحلائل أوكد فالزّوج مُكلّف قبل غيره بامتحان عفّة زوجته التي إنّما يسلم عقبه بفضلها. أمّا الأخريات فأزواجهنّ أولى برصد إخلاصهنّ. فيتأكّد لدينا أنّ اِستبشاع العرب للزنا لم يكن لموقف منه في ذاته و إنّما لخطره على أنظمتهم و مصائرهم كما تصوّروها. أمّا إن اختلف مقامه فإنّ الموقف منه ينقلب إلى الضّدّ.

الزنا الجائز

اِرتسمت على موقف العرب القدامى من الزنا اِزدواجيّة جليّة، فمثلما رأيناهم يحظرونه و يتوقون منه لغاية حفظ أنسابهم فإنّهم كانوا يجيزون لأنفسهم المتعة بالمرأة بشيء من الحريّة. إلاّ أنّ هذه الرّخصة كانت مشروطة عادة بعدم انتساب المرأة الموطوءة إلى العشيرة أو أن تكون زوجا لأحد أفرادها. و حتى إن استرخصوا من هذا الشرط بالبدل و الاستبضاع فإنّهم كانوا يقيّدونه و يبرّرونه كما سيأتي. و لقد تواضعت العرب على ضروب من المتعة بالمرأة دون أن يعدّوا ذلك الوطء فاسدا، لأنّ الزنا عندهم هو ما تهدّدت عواقبه عرض العشيرة و نظامها الاجتماعي. و أهمّ هذه الوطوءات:

الوطء الجماعيّ للبغايا

كانت ظاهرة البغاء دارجة عند العرب القدامى. فاشتهرت في معظم العشائر نساء يعرضن أجسادهنّ و يتجرن بها في المتعة، و كان يرتاد خيامهنّ المعلَّمة كلّ من له فيهنّ وطر. و عادة ما يتمّ هذا الوطء بصورة جماعيّة إذ"يجتمع النّاس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمانع من جاءها و هنّ البغايا كنّ ينصبن على أبوابهنّ رايات تكون علما فمن أرادهنّ دخل عليهنّ، فإذا حملت إحداهنّ و وضعت حملها جمعوا لها و دعوا لهم القافة [1] ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاطته [2] به" [3] .

و يبدو أنّ هذا السلوك الذي اتّخذته بعضهن مهنة لم يسئ إلى وضعيّاتهنّ الاجتماعيّة فقد كنّ ذوات ثروات أطمعت فيهنّ حتّى المسلمين، و كان"منهنّ امرأة يقال لها أمّ مهزول كانت تسافح في الجاهليّة فأراد بعض الصّحابة أن يتزوّجها فنزل النّهي عن ذلك بقوله تعالى (الزَّانِيَةُ لاَ يَنْكَحُهَا إلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) " [4] . فلم تكد تكترث العرب لسلوكهنّ أو تستبشعه حتّى حرّم القرآن الزّنا و نظم الوطء و أرسى الحدود.

نكاح الخدن

اشتهر عن العرب أنّهم لم يكونوا يعترضون على العلاقة السّرّيّة التي قد تنعقد بين الرّجل و المرأة بأن يتّخذ كلّ منهما الآخر خِدْنًا و"الخِدْنُ و الخدين الصّديق. و خِدْنُ الجارية مُحدّثها، و كانوا في الجاهليّة لا يمتنعون من خِدْنٍ يحدّث الجارية فجاء الإسلام بهدمه". [5] و رغم أنّ هذا التّعريف لا يصرّح بالعلاقة الجنسيّة المترتّبة عن المُخادنة فإنّ القرطبي نقل أنّ"ذات الخِدنِ التي تزني بواحد. و كانت العرب تعيب الإعلان بالزنا، و لا تعيب اتخاذ الأخدان" [6] .

فما كانت إذن العلاقة الجنسيّة بين الأخدان لتسوء العرب متى ظلّت مكتومة و لم تشترك فيها امرأة متزوّجة بما أنّ ابن منظور ذكر في السّياق الآنف أنّ الخِدنَ يكون للجارية أي الفتاة الصّغيرة أو الأمة اللتين لا يقطع زناهُما النّسبَ.

نكاح البدل

"و هو أن يقول الرّجل للرّجل انزل لي عن امرأتك و أنزل لك عن امرأتي" [7] أي دعني أطأ امرأتك مقابل وطئك امرأتي. و هو وطء شديد التّناقض مع ما اشتهر عن العرب من جزع على العرض الذي تمثل الزوجة رأسه لارتباط عفّتها باتّصال النّسل.

(1) -"جمع قائف ... و هو الذي يعرف شبه الولد بالوالد بالآثار الخفيّة". وهو تعريف الألوسي في"بلوغ الأرب"ج 2 الهامش الثاني من الصفحة الرّابعة.

(2) -"أي استلحقته به". الألوسي:"بلوغ الأرب"، ج 2 الهامش الأوّل من الصّفحة الخامسة.

(3) - نفسه، ج 2 ص ص 4 - 5.

(4) - نفسه، ج 2 ص 5.

(5) - ابن منظور:"لسان العرب"، ج 4 ص 42.

(6) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن"، ج 5 ص 130 (تفسير سورة النّساء: 4/ 25، المسألة 13) .

(7) - الألوسي:"بلوغ الأرب"، ج 2 ص 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت