و لكن يبدو أنّ ما جعلهم يقدمون على هذه المتعة هو اطمئنانهم إلى المعادلة المنطقيّة الكامنة فيها فكأنّهم يعتبرون أنّ عِرض المبدِل منهم لا يُخدش لأنّه قد نال من زوجة شريكه مثلما نال هو من زوجته، و بذلك فإنّ المُحاصصة تكون عادلة.
و لكنّ اللافت في هذه المبادلة أنّها تهدّد النّسب بالاختلاط و الانقطاع الذي يحرص العرب على تحاشيه، فقدّموا في هذه الحالة المتعة على القيمة. وقد يكون هذا السّلوك متفشّيا في فئة من العرب دون أشرافها فعمّمه الرّواة ذوو النّزعة الشعوبيّة لزعم الألوسي في باب:" (قول الشعوبيّة في مناكح العرب) بأنّ جميع ما ذكروه في شأن مناكح العرب، و ما أوردوه في باب الطّعن على أنسابهم بما كانوا يتعاطونه في الغارات من سبي النّساء و استرقاقهم و وطئهم من غير استبراء من طمث و نحو ذلك لا أصل له، و كتب التواريخ صادحة بتبرئتهم ممّا رماهم به خصومهم و أعداؤهم". [1]
الاستبضاع
و هو وطء يبدو بدوره نائيا عن عوائد العرب الضانّة بالعِرض عن الشوائب ناهيك بالزّوجة، فقد كان الرّجل"يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها، أي حيضها، أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، أي اطلبي منه الجماع، لتحملي منه. و المباضعة: المُجامعة مشتقة من البضع و هو الفرج. و يعتزلها زوجها .. حتى يتبيّن حملها من ذلك الرّجل الذي تستبضع منه فإذا تبيّن حملها أصابها زوجها إذا أحبّ، و إنّما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد أي اكتسابا من ماء الفحل لأنّهم كانوا يطلبون ذلك من أكابرهم و رؤسائهم في الشجاعة أو الكرم أو غير ذلك .. فكان هذا النّكاح نكاح الاستبضاع". [2]
و لكن يتوفر ملمح في وصف الألوسي للاستبضاع يجعله متناغما مع العرف العربي القديم القاضي بالضنّ بالزّوجة عن أيّ وطء غير شرعيّ الذي إنّما ساد، كما أشرنا سلفا، تحقيقا لهدف أعلى هو حفظ اتّصال أنساب العشيرة. و ذلك أنّ المستبضعة إنّما يسْلِمها زوجها إلى أحد أفراد العشيرة ممّن يشترك معه في النّسب، فيتّصل بذلك نسب الوليد بآبائه فضلا عمّا سيرثه عن أبيه الحقيقيّ من خلالٍ تحتاجها العشيرة في حماية كيانها المهدّد دوما بالاختراق.
عبّرت إذن ازدواجيّة موقف العرب القدامى من الزنا عن وجود عقد عرفيّ تواطؤوا عليه ليضمنوا لأنفسهم حياة جنسيّة تصوّروها متناسبة مع واقعهم القائم أصلا على تناقضات متنوّعة، فقد تصدّوْا من جهة إلى ما يمكن أن يُلحقه الزنا من أذى بنُظمهم الاجتماعيّة القائمة على العصبيّة العرقيّة، فاستبشعوا زنا الحرائر وجعلوا من العفّة قيمة أساسيّة يتحلّى بها الأشراف حتّى يرغّبوا أنفسهم عن هذا النّمط من الوطء المؤدّي إلى التهديد بقطع الأنساب، فانتهى دأب العرب على ممارسة هذا العرف إلى نفور متزايد من الزنا، فسوّل لهم جزعهم من مخاطره سُبُلا في التّوقي منه بقتل الوليدات و ابتداع التّعاويذ الأسطوريّة لمراقبة عفة الزّوجات.
إلاّ أنّهم لم يستسلموا، من جهة أخرى، إلى هذه الأعراف لتقمع رغباتهم الجنسيّة المتأجّجة، بسبب حرارة مناخهم، و التي لا يطفئها وطء الزّوجات. فتواطؤوا على الاسترخاص منها بأشكال مختلفة ضمنت لهم إلى حدّ ما إشباع غرائزهم. وأشهرها وطء البغايا من الجواري و نساء الموالي اللاتي لا خوف منهنّ على النّسل أو العرض.
غير أنهم لم يقنعوا بهذا القدر من الرّخص في الوطء خارج إطاره العرفي، بل تعدّوه إلى ما يمسّ العرض و يقطع النّسب كالاستبضاع و نكاح البدل. فأكّدت هذه الرّخص جميعا أنّ الموقف العربيّ القديم من الزنا لم يكن في الأصل قيميّا و لا تشريعيّا، و إنّما كان براغماتيّا متوافقا مع حاجاتهم العمرانيّة و الطّبيعيّة على السّواء.
و نزعم أنّ واقعيّة موقف العرب من الزنا تأتّت بالأساس من طبيعته الوضعيّة التى تتيح له دوما القدرة على التّطوّر و التّكيّف مهما بلغ تمسّك الجماعات به خلافا للتّشريعات السّماويّة المفارقة التي تستمدّ إطلاقيّتها و شمولها من شارعها المُقدَّس. فكيف كانت مواقفها من الزنا؟ و ما مدى توافق أحكامها فيه؟
(1) - نفسه: ج 1 ص ص 173 - 174.
(2) - نفسه، ج 2 ص 4.