الصفحة 13 من 63

1 -1 - 2 / الزنا في التوراة و الإنجيل

معلوم أنّ معظم الأحكام القرآنيّة قد نزلت في المدينة التي مثل اليهود [1] و بعض النّصارى - فضلا عن المهاجرين من قريش و الأنصار من الأوس و الخزرج - مكوّناتها الاجتماعيّة الأساسيّة، فيعتبر أهل الكتاب أفق الانتظار الثاني للخطاب القرآني الذي جادلهم في مواضع عديدة و بأساليب متنوّعة و بوّأ نفسه لتقويم كتبهم المقدّسة و إحياء أحكامها الأصليّة و تقويم ما شابها من تحريف و تصحيف.

فما هي حدود إقرار القرآن لما في الكتاب المقدّس بعهديه القديم و الجديد من أحكام في الزنا؟ و ما مدى توافق التوراة و الإنجيل في الموقف من الزنا و الزّناة؟

لتحقيق هذه المطالب سنقدم على استخلاص أهمّ النّصوص الجامعة لأحكام الزنا [2] من الكتاب المقدّس ثمّ نعرضها وفق انتظامها في سفر التّثنية من التوراة و بحسب مراتب البشارات و الرّسائل في الإنجيل، فنصف هذه الأحكام و نعلّق على الأسلوب الذي انتهجه الخطاب لسنّها، ثمّ نبحث في الإشارات النّصّيّة - متى توفّرت - إلى مقامات نشأة المواقف المقدّسة من الزنا.

و نشير إلى وعينا باختلاف نصوص الكتاب المقدّس بين طبعة و أخرى و بين سائر ملل اليهود و النّصارى و طوائفهم، فاقتصرنا على طبعة"دار الكتاب المقدّس في الشرق الأوسط"لسببين أساسيين، أوّلهما: اشتهار هذه الطّبعة و جمعها في اعتقادنا لأهمّ الأحكام المقدّسة في الزّنا القريبة في جانب منها من القرآن و في جانب آخر من أشهر الأحكام الفقهيّة. ثانيهما: أنّ بحثنا لا يتخصّص في تقصّي ظاهرة الاختلاف في الدّيانتين الكتابيّتين السّابقتين للإسلام.

الزنا في التّوراة

انحصرت تعرّضات التّوراة للزنا في سفر التّثنِيّة الذي تضمّن شريعة النّبيّ موسى. و لم يرد في هذا السّفر سوى سياق واحد تضمّن أحكاما على الزّناة سنفصل بينها و نعرض كلاّ منها منفردا. بينما ورد فيه نهي كثير عن الزنا و عِظاتٌ بتجنّبه فانتخبنا منها نصّين رأينا أنّهما أضافا بعض المعاني الفرعيّة لموقف شريعة اليهود من الزنا.

أحكام الزّنا في التوراة

? حكم متّهم زوجته بالزنا كذبا

نُسب إلى النّبيّ موسى قوله في الأصحاح الثّاني و العشرين:"إذا اتخذ رجل امرأة و حين دخل عليها أبغضها .. و قال هذه المرأة اتخذتها و لمّا دنوت منها لم أجد لها عُذرة. يأخذ الفتاةَ أبوها و أمّها و يُخرِجان علامة عُذريّتها إلى شيوخ المدينة .. فيأخذ شيوخ تلك المدينة الرّجلَ و يؤدّبونه و يُغرمونه بمائةٍ من الفضّة و يعطونها لأبي الفتاة لأنّه أشاع اسما رديئا عن عذراء من إسرائيل فتكون له زوجة و لا يقدر أن يُطلّقها كلّ أيّامه". [3]

نزعم أنّ هذا الحكم التّوراتيّ يندرج بين حكميْ"القذف"و"اللعان"في القرآن ففيه من جهة حكم الاتهام بالزنا أي القذف ومن جهة أخرى يكون الزّوج هو القاذف فيكون حكمه التّأديب الذي لم يُذكر نوعه أو مقداره. ثمّ تغريمه و إلزامه بالإبقاء على زوجته أبدا حتّى يكفّر عن الاعتداء الأخلاقي الذي أتاه بحقّها.

? حكم الزّوجة إذا ثبت صدق الزّوج

جاء في نفس السّياق أنّه"إن كان هذا الأمر صحيحا لم توجد عذرة للفتاة. يُخرِجون الفتاة إلى باب بيت أبيها و يرجمها رجال مدينتها بالحجارة حتّى تموت لأنّها عملت قباحة في إسرائيل بزناها في بيت أبيها فتنزع الشرّ من إسرائيل". [4]

(1) - انظر: نائلة السّلّيني:"تاريخيّة التفسير القرآني"، ج 1 ص ص 43 - 45 - 163 - 174.

(2) - معلوم أنّ الكتاب المقدّس لم يقتصر على سنّ العقوبات الدّنيويّة العاجلة للزّناة و إنّما توعّدهم أيضا بالعذاب الآجل. كما أنّه اقتصر في موعظات شتّى على التنبيه إلى مغارم الزّنى. و إننا سنقارب ما تعالق منها مع نصوص الأحكام القرآنيّة ثمّ الفقهيّة بوشيجة ما.

(3) - الكتاب المقدّس: طبعة دار الكتاب المقدّس في الشرق الأوسط."سفر التّثنية"، الأصحاح الثاني و العشرون، ص 314.

(4) - نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت