فأمّا إن ثبت أنّ الفتاة قد فقدت عذريتها قبل الزّواج بعلاقة جنسيّة مُحرّمة فيكون حكمها الرّجم حتّى الموت. و رغم أنّ النّصّ المقدّس يعلل هذا الحكم بكون الزّانية قد ارتكبت قباحة [1] فإنّه تعليل أخلاقيّ عامّ. و هذا الأسلوب شائع في الكتب المقدّسة التي تستهدف أحكامها عادة حفظ القِيَم المُطْلقة.
? حكم المخطوبة الزّانية و شريكها
و قال:"إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل في المدينة و اضطجع معها فأخرجوا كليهما إلى باب تلك المدينة و ارجموهما بالحجارة حتى يموتا. الفتاة من أجل أنّها لم تصرخ في المدينة و الرّجل من أجل أنّه أذلّ امرأة صاحبه فتنزع الشرّ من وسطك" [2] .
يدلّ مضمون هذا الحكم على أنّه مُلْحَق تكميليّ للحكم الأوّل الذي قضى بمعاقبة الفتاة الزّانية قبل الزّواج دون أن يتعرّض إلى شريكها فجمعهما النّصّ المقدّس في سياق واحد أرسى فيه حكم رجمهما معا حتّى الموت.
ويعلّل النّصُّ الحكمَ كرّة أخرى فيذكر أسبابا مغايرة، في الظّاهر، لما ورد في الحكم الآنف. فكان داعي رجم المرأة في هذا النّصّ هو عدم استغاثتها من صاحبها ممّا يعني أنّها راغبة في مضاجعته، فتوفّرت بذلك لديها نيّة الزنا. و أمّا الرّجل فإنّه يُرجم لإذلاله امرأة صاحبه باعتبار أنّ الزنا - في التّصوّر التوراتي - فعل يُدني من منزلة آتيه الاجتماعيّة و الدّينيّة. و لئن اختلف هذا التعليل عمّا ورد في الحكم الآنف فإنّ كليهما محكوم بغايات التوراة الأخلاقيّة في تحريم الزنا.
? حكم الرّجل يغتصب الفتاة المخطوبة
و قال:"إن وُجد الرّجل و الفتاة المخطوبة في الحقل و أمسكها الرّجل و اضطجع معها يموت الرّجل الذي اضطجع معها وحده. و أمّا الفتاة فلا تفعل بها شيئا. ليس على الفتاة خطيّة الموت بل كما يقوم رجل على رجل و يقتله قتلا هكذا الأمر. أنّه في الحقل وجدها فصرخت الفتاة المخطوبة فلم يكن من يخلّصها" [3]
يُرجم الرّجل في هذا الحكم حتى الموت و تُبرّأ الفتاة إذا ما ثبتت استغاثتها من المُعتدي لأنّ ذلك يدلّ على تعففها و رغبتها عن الزنا. و حجّتها في ذلك أن يكون الاعتداء قد تمّ في"الحقل"أي في مكان تضعف فيه إمكانيّة تخليصها من مغتصبها لقلّة النّاس فيه، خلافا للمرأة في الحكم السّابق التي أدينت بداعي وقوع الاعتداء في المدينة حيث يكثر من يغيثها لو شاءت التعفف.
? حكم مغتصب الفتاة العذراء غير المخطوبة
و قال:"إذا وَجد رجل فتاة عذراء غير مخطوبة فأمسكها و اضطجع معها فوُجدا يُعطي الرّجلُ الذي اضطجع معها لأبي الفتاة خمسين من الفضّة و تكون هي له زوجة من أجل أنّه قد أذلّها. لا يقدر أن يطلّقها كلّ أيّامه." [4]
دُرئت في هذا الحكم كلّ العقوبات البدنيّة على الزّاني و استُبدِلت بحلول توفيقيّة معتدلة. و يعود هذا الّلين التشريعيّ التوراتيّ في تقديرنا إلى انتفاء إحدى أهمّ تداعيات الزّنا في هذه النّازلة الافتراضيّة باعتبار أنّ زِنى الرّجل بامرأة بكر لن يُلطّخ عرض غيره و لن يقطع النّسب، و أمّا أبواها فلهما من الدّية و المصاهرة العوضُ.
غير أنّه لئن تفادى التشريع التوراتيّ عقوبة الموت فقد أشار نصّ الحكم في قوله:"أمسكها"إلى غصب الرّجل للمرأة على المضاجعة، و لو صحّ هذا الفهم فإنّ درء الحدّ سيُمثل ذريعة لكلّ من رغب في فتاة فامتنعت عنه بحالٍ ليغتصبها و يُرغمها على الزّواج منه و يدفع لها دية تقارب المهر لو تزوّجها بصورة طبيعيّة. و لو تأكّد أيضا أنّ المقصود بالإمساك هو الاغتصاب فإنّه يكون دليلا على ميل الأحكام التوراتيّة إلى الرّجال من دون النّساء حين جعلت لهم سبيلا عليهنّ لإكراههنّ على الوطء سفاحا و نكاحا.
مواعظ التوراة بالتّعفّف عن الزّنا
(1) - القباحة"جمع قِبَاحٍ: وهو نقيض الحسن". ابن منظور:"لسان العرب"ج 11 ص 8.
(2) - الأصحاح الثاني و العشرون، ص 314.
(3) - نفسه.
(4) - نفسه.