الصفحة 15 من 63

? ورد في الأصحاح الخامس:"لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد على قريبك شهادة زور، و لا تشته امرأة قريبك .." [1]

ينهى النّبي موسى في موعظته هذه عن الزنا في سياق النّهي عن خطايا تُعدّ من أشهر الجرائم و أقدمها و أضرّها بالإنسان كالقتل و السّرقة. و لكنّ اللاّفت أنّه ينهَى في السّياق ذاته، على قِصَره، عن الزنا كرّتين. فذكره في المقام الأوّل بلفظه و في الثاني بالكناية عنه في قوله"و لا تشته امرأة قريبك"، فخصّص الزنا باشتهاء نساء الأقارب و كأنّ وطء سواهنّ دون زواج لا يعدّ زنا أو أن تكون مُراودتهنّ أنكى ضروبه لما قد تُلحقه من مضارّ معنويّة بالزّوج القريب.

? و ورد في الأصحاح الثاني و العشرين:"لا يتخذ رجل امرأة أبيه و لا يكشف ذيل أبيه". [2]

يحدّد هذا النّصّ إحدى أهمّ درجات القرابة التي يشتدّ تحريم الوطء بموجبها و هي مضاجعة الابن لزوج أبيه. و لئن لم تحدّد عبارة"يتخذ"هذا الوطء إن كان سفاحا أو نكاحا فإنّه يجوز في تقديرنا أن يُراد بها المعنيان لاعتبارين: أوّلهما التأكيد على حرمة الزّنا بحليلة الأب تخصيصا. و ثانيهما موافقة القرآن - باعتباره امتدادا للتوراة و الإنجيل - لهذا الحكم ساعة حرّم وطء أزواج الآباء [3] .

و نعتبر أنّ تبرير النّبيّ موسى لهذا التحريم في قوله"و لا يكشف ذيل أبيه"بدوره تبرير قيميّ أخلاقيّ يحتاط به لحفظ العلاقة المعنويّة بين الآباء و الأبناء.

ولكن نلاحظ أنّ النصّ التوراتيّ يتوجّه في نهيه هذا إلى الرّجل تخصيصا، فلا ينهى المرأة مثلا عن مُعاشرة زوج أمّها. و يبدو أنّ هذا الاختيار محكوم بعامل باطرياركيّة المجتمع الذي بُعث فيه النّبيّ موسى. فيكون الرّجل، دون المرأة، مُكلَفا بحفظ قيم المجتمع و القيام على شؤونه.

الزنا في الإنجيل

تعدّدت تعرّضات الإنجيل للزنا و تنوّعت و فاقت بكثير ما ورد في التّوراة من نصوص رغم أنّ عددا منها تكرّر من بشارة إلى أخرى. و قد دفعنا ذلك إلى انتخاب أبلغ النّصوص و أوضحها و أجمعها للمعاني المتفرّقة بين البشارات.

و معلوم أيضا أنّ الشّريعة المدوّنة في الإنجيل صادرة عن جهتين أساسيّتين هما أقوال المسيح نفسه ثمّ بشارات أتباعه. و لذلك فقد قدّمنا وصايا المسيح على اجتهادات أتباعه لكون الأصل أولى بالتقديم و لنكشف مدى تطور الأحكام الإنجيليّة في الزّنا. غير أنّنا لن نفصل بين أحكام الإنجيل في الزّنا و نواهيه عنه لتداخلها و التحامها في النّصوص.

? نقل يوحنّا في بشارته عن المسيح أنّه جاءه"معلّمو الشّريعة و الفرّيسون بامرأة أمسكها بعض النّاس تزني، فأوقفوها في وسط الحاضرين، و قالوا له: يا معلّم أمسَكوا هذه المرأة في الزنا و موسى أوصى في شريعته برجم أمثالها، فماذا تقول أنت؟ .. فلمّا ألحّوا عليه في السّؤال رفع رأسه و قال لهم: من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بأوّل حجر .. فلمّا سمعوا هذا الكلام أخذت ضمائرهم تبكّتهم فخرجوا واحدا بعد واحد .. و بقي يسوع وحده و المرأة في مكانها. فجلس يسوع و قال لها: أين هم يا امرأة؟ أما حكم عليك أحد منهم؟ فأجابت: لا يا سيّدي، فقال لها يسوع: و أنا لا أحكم عليك اذهبي و لا تخطئي أبدا." [4]

درَأ المسيح في هذا النّصّ الرّجمَ عن المرأة الزّانية رغم توفر ركنيين أساسيين لإقامته أوّلهما قضاء شريعة موسى به و ثانيهما ثبوت الزنا عليها بما أنّ النصّ لم يذكر أنّها قد أنكرت ما رُمِيت بها حتى بعد أن أمّنها يسوع.

بيد أنّ المسيح لم يصرّح بمُخالفة شريعة موسى و إنّما استدرج النّاس إلى تعطيلها. فكأنّه يُقرّ بها من حيث المبدأ و يُقدّم عليها، بالمقابل، العفوَ. فيكون بذلك حكمه أقرب إلى منطق العدالة بمعناها المطلق من حكم التوراة لأنّها لم تقض بالرّجم إلاّ على من ثبتت خطيئته و أمّا من أسرّها فإنّه ينجو بها رغم استحقاقه للعقاب، فأقنع النّبيّ عيسى النّاس بدَرْءِ الرّجم عن المرأة حين أوعز لهم بتلك المعادلة في

(1) - الأصحاح الخامس: ص 288.

(2) - الأصحاح الثاني و العشرون: ص 315.

(3) - سورة النساء 4/ 22.

(4) - الإنجيل: دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، الطبعة الأولى لسنة 1995."البشارة كما دوّنها يوحنّا"ص 274.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت