قوله:"من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بأوّل حجر"، فدلّ انسحابهم على إدراكهم بأنّهم سيظلمون المرأة لو تركوها تُرجَمُ دونهم لما ارتكبه جميعهم أو بعضهم من خطايا مسرورة يُفترض أن يُعاقبوا بها. أمّا لو حكّمنا القرآن بين الكتابين المقدّسيْن فقد أفاد على لسان المسيح أنّه مثلما أقرّ أحكام التوراة فقد جاء بما ينسخ بعض أحكامها: [وَ مُصَدِّقا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَ لأِحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ] [1] .
و لكن اللاّفت في هذا الخبر المُسند إلى يسوع أنّه لا يذكر شريك المرأة في زناها و لا حكمه، شأن الحكم الثاني من التّوراة الذي عرضناه آنفا. و نزعم أنّ اعتبار المجتمعات البطرياركيّة المتديّنة للمرأة أصلا للخطيئة يمثّل السّبب الرّئيسي للتّغافل عن زنا الرّجال في بعض التشريعات أو الأقضية.
و تكشف ملابسات الخبر أنّ نبيّ المسيحيّة لا يسنّ هذا الحكم في الزنا ابتداءً و إنّما أملته عليه النّازلة. بل إنّ مقلّب نصوص الإنجيل يتبيّن، لا محالة، ندرة الأحكام المنسوبة فيها إلى النّبيّ عيسى باعتبار أنّه قد اكتفى في الغالب بالنهي عن الزّنا و الوعظ بالتّرفع عن إتيانه، و نهض أتباعه بسنّ الأحكام ابتداء بعدما نصّبوا أنفسهم ورثة للعلم اللآّهوتي.
? قال"متَّى"في بشارته نقلا عن المسيح:"و سمعتم أنّه قيل: لا تزن. أمّا أنا فأقول لكم: من نظر إلى امرأة ليشتهيها، زنى بها في قلبه. فإذا جعلتك عينك اليمنى تخطئ فاقلعها و ألقها عنك لأنّه خير لك أن تفقد عضوا من أعضائك و لا يلقى جسدك كلّه في جهنّم". [2]
يسوق هذا النّصّ مفهوما مختلفا للزنا في المسيحيّة إذ لم يعد فقط ذلك الفعل الذي يأتيه الإنسان بأعضائه و جوارحه على الحقيقة فيحقّ عليه العقاب و إنّما ألحِق به من يمارس الزنا في مُخيّلته فحسب.
و يثبت هذا الموقف تشدّد الإنجيل في مكافحة الزّنا. و لكن رغم صرامة المسيح في هذا السّياق فإنّه لم يسنّ للزّنا حكما يُقام على آتيه في الدّنيا و إنّما فوّض للزّاني التطهّر من فعله بنفسه. غير أنّه يرجح عندنا أن يكون قول المسيح هذا مجازيّا شدّد به الموعظة على هجر الزّنا.
? قال يسوع في وصاياه للشّابّ الغنيّ:"إذا أردت أن تدخل الحياة فاعمل بالوصايا .. لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزّور، أكرم أباك و أمّك، أحبّ قريبك مثلما تحبّ نفسك". [3]
ينهى المسيح عن الزنا في وصيّته في سياق النهي عن جملة من الخطايا يُعتبر اجتنابها شرطا من شروط النّجاح الذي كنّى عنه بدخول الحياة أي بتحقيق النّجاة من عذاب السّماء و بتخليص الرّوح من أيّ سلوك محرّم. وهذا الأسلوب شائع في الكتب المقدّسة، و شبيه به ما ورد في الأصحاح الخامس من سفر التثنية و في بعض سور القرآن، و سيأتي بيان ذلك.
? و قال المسيح في رؤيا يوحنا التي دوّنها في رسالته إلى شعب ثياتيرة:"أكتب إلى ملاك ثياتيرة .. أعتب عليك لأنّك تتحمّل المرأة إيزابيل التي تزعم أنّها نبيّة و تغري عبادي، فتعلّمهم أن يزنوا .. و أمهلتها مدّة لتتوب و لكنّها ترفض أن تتوب من زناها، لذلك سأطرحها على فراش الآلام و ألقي الذين يزنون معها في ضيق شديد إن كانوا لا يتوبون من فساد أعمالها، و أقتل أولادها قتلا." [4]
لم يقض المسيح في هذه الرّؤيا على المرأة إيزابيل بسبب زناها فحسب، و إنّما لارتكابها، أيضا، جملة من الأفعال المُعتبَرة خطايا. و أشنعها، من المنظور المسيحي، جمعها بين الزنا و ادّعاء النبوة على تناقضهما و تنافرهما.
ويشير النّصّ إلى أنّ المسيح لم يقض في ذلك إلاّ بعدما استتابها فكان جزاؤها و شركائها آلاما غير محدّدة و لا مُقدّرة و ضيقا غير موصوف. و لقد اختلف الإنجيل عن التوراة و القرآن في إرسائه لرخصة التوبة للزّناة قبل الإدانة.
بيد أنّ المسيح الذي عفا عن المرأة في الحكم الأوّل - رغم الإجماع على رجمها - لم يكتف بعقاب إيزابيل في نفسها بل قضى بقتل أولادها الذين لم يشتركوا معها في خطيئتها.
(1) - سورة آل عمران: 3/ 50. و انظر أيضا الآية 49 من السّورة.
(2) - نفسه:"بشارة متَّى"، ص 11.
(3) - نفسه:"بشارة متَّى"ص 56.
(4) - الإنجيل:"رؤيا يوحنّا"ص 673.