الصفحة 17 من 63

و إنّ إسناد هذا الحكم إلى المسيح عبر رؤيا أحد رجال الدّين يريبنا في سلامته لأنه مهما وثق الفكر الدّيني في الرّؤيا فإنّها علميّا لا تعدو أن تكون تصعيدات نفسيّة يفيض بها العقل الباطن على الوعي. فنرجّح حينئذ أنّ ما رآه يوحنّا هو موقفه المكبوت من إيزابيل و رغبته في التّنكيل بها غيرة على القيم المسيحيّة كما تصوّرها و ربّما آمن بها.

كما أنّ هذا الحكم قد ورد استجابة لنازلة خاصّة جمعت فيها المرأة بين خطيئتَيْ الزّنا و ادّعاء النّبوّة. فنستبعد بمقتضى ذلك، بالاحتكام إلى المنطق، أن يكون حكما عامّا في كلّ مسيحيّ يزني و إنّما هو خاصّ في تقديرنا في إيزابيل المتمرّدة.

? قال بولس في رسالته الأولى إلى كورنثوس:"شاع في كلّ مكان خبر ما يحدث عندكم من زنا لا مثيل له حتّى عند الوثنيين. رجل منكم يُعاشر زوجة أبيه ومع ذلك فأنتم منتفخون من الكبرياء، و كان الأولى بكم أن تنوحوا حتى تُزيلوا من بينكم من ارتكب هذا الفعل .. فعندما تجتمعون و أنا معكم .. سلّموا هذه الرّجل للشيطان حتى يهلك جسده فتخلص روحه في يوم الرّبّ." [1]

يعتبر ما ورد في هذا النّص أوّل أحكام الزنا في الإنجيل التي تصدر عن أحد أتباع المسيح ابتداء. و هو خاصّ برجل وطئ زوجة أبيه و أفلت من العقاب، فاندفع القدّيس بولس إلى تحريض أهل كورنثوس على الاقتصاص منه، دون شريكته في الخطيئة باعتبار أنّ الدّافع إلى التشدّد في الحكم هو القرابة المقدّسة بين الأب و الابن. غير أنّ العقوبة التي قضاها عليه لم تكن محددّة رغم إيحائها بالقتل في قوله:"حتّى يهلك جسده".

و إنّ بولس ليُخالف منهج المسيح في استتابة الزّناة قبل الحكم، فقضى على الزّاني بحكم قاطع لا رخصة فيه خلافا لصنيع النبيّ عيسى مع المرأة الزّانية في النّازلة التي عرضها عليه معلّمو الشريعة و الفرّيسون، ثمّ مع إيزابيل التي لم يؤيّد عليها الحكم إلاّ حين رفضت التّوبة. و يُنبئ هذا الاختلاف في إرساء الأحكام بتطوّر موقف المسيحيّة من الزنا و من الزّناة استجابة لحركة الواقع الثقافي المتنامي، و بسبب تصوّرات رجال الدّين و ميولهم الذاتيّة المحكومة حتميّا بخلفياتهم العرفيّة، و بما أثروه من شريعة النّبيّ موسى المتشدّدة في أحكام الزّنا.

و لا تفوتنا إشارة هذا النّصّ إلى الفعل التّطهيري الذي تنهض به عقوبة الزنا في قوله:"حتى يهلك جسده فتخلص روحه في يوم الرّبّ". و يفيد ذلك بأنّ اقتراف الزنا، من المنظور المسيحي، هو إصرٌ متى قضِيَ في الدّنيا خلُص منه آتيه و فاز بملكوت الآخرة.

? قال بولس في الرّسالة ذاتها إلى كورنثوس:"كتبت إليكم في رسالتي أن لا تُخالطوا الزّناة. و لا أعني زناة هذا العالم على الإطلاق أو الفجّار أو السّرّاقين أو عبّاد الأوثان و إلاّ اضطررتم إلى الخروج من العالم. لكن الآن أكتب إليكم أن لا تُخالطوا من يُدعى أخا و هو زان أو فاجر .. فمثل هذا الرّجل لا تجلسوا معه للطّعام." [2]

يتميّز هذا الحكم بصبغته التشريعيّة باعتبار أنّ بولس لم ينطلق من نازلة محدّدة و إنّما أرسى حكما عامّا في تحديد العلاقة بين النّصارى المُلتزمين بشريعتهم و بين الزّناة منهم، فقضى باعتزالهم.

و لكن رغم عموم الحكم فإنّه قد ورد خاصّا بأتباع النّبيّ عيسى فيما بينهم، فلم يُلزمهم بالامتناع عن مخالطة غير أهل ملّتهم من المخطئين لقوله:"و لا أعني زناة هذا العالم على الإطلاق أو الفجّار أو السّرّاقين أو عبّاد الأوثان و إلاّ اضطررتم إلى الخروج من العالم". و نزعم أنّ هذه الرّخصة تمثل أحد البراهين على الجدليّة القائمة بين الدّين و الواقع في مجال سنّ أحكام الزنا، فقد احتاط بولس في حكمه لمصالح جماعته حين رخص لهم في مخالطة عامّة الزناة و المخطئين من غير النصارى ليوسّعوا على أنفسهم في المعاش و في توفير اقتضاءات العمران.

اجتمعت إذن اليهوديّة و المسيحيّة على استبشاع الزنا و اعتباره من أشدّ الخطايا التي يحرم على أتباع الأنبياء ارتكابها فسعتا إلى التّحريض على التّعفف عن إتيانه و الاحتياط منه بضروب شتّى من

(1) - نفسه:"رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس"، ص 454.

(2) - نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت