العقوبات رصدتاها للزّناة، كما اجتمعتا على التّحيّز إلى الرّجل في بعض الأحكام و الإيحاء بأنّ المرأة هي أصل الخطيئة من خلال تكرر الانطلاق منها في التشريع للزنا أو في ضرب المُثلات عليه.
و لئن اتفقت الديانتان على تحريم الزنا فقد اختلفتا اختلافا نوعيّا في أحكامه و أساليب سنّها. فقد عطّل المسيح حكم الرّجم رغم أنّه أهمّ أحكام الزنا التي سنّتها التوراة، و إن خالفه أتباعه بقضائهم على الزّناة بالموت. كما أنّ أحكام الإنجيل في الزنا ما كانت عامّة و لا عُرِضت بأسلوب تشريعيّ يرفعها إلى درجة القانون، فلم تعْدُ أن تكون في الغالب أحكاما خاصّة لنوازل عارضة عبّر من خلالها النبيّ عيسى و أتباعه عن مواقفهم من الزنا. و في المقابل فقد اختصّت النّصوص التوراتيّة بأسلوبها التشريعيّ باعتبار أنّ أحكامها لم ترتبط بنوازل معيّنة و إنّما نحت، شأن القوانين، منحى افتراضيّا.
فما هي، في مقابل كلّ ذلك، أحكام الزنا في القرآن؟ و ما مدى حضور مواقف الأعراف العربيّة القديمة و الشريعتين الكتابيّتين من الزنا في القرآن؟
1 -2 / الزنا في القرآن
يعدّ الزنا من أولويّات المشاغل التي اطّرد التفات القرآن إليها، فتناوله الخطاب و فصّل أحكامه و معانيه و تداعياته الدّينيّة و الاجتماعيّة بأساليب مختلفة و في سياقات شتّى مبثوثة في ثماني سور شغل منها ما لا يقلّ عن أربع و عشرين آية.
و لكن رغم تنوّع أساليب الخطاب في صرف المسلمين عن الوطء الحرام فقد اجتمعت معظمها - كما هو حال التّوراة و الإنجيل - على إحدى خصلتين: أولاهما مجموعة الآيات التي شرّعت لأحكام الزّناة [1] و ثانيتهما آيات مكافحة الزنا و النّهي عنه و التّحذير منه. و بما أنّ آيات الأحكام تمثل طِلبة بحثنا الأولى فإنّنا سنحتفي بمقاربة وسائل الخطاب البيانيّة التي أخرج بها تلك الأحكام، ثمّ نتناول العقوبات التي رصدها القرآن للزّناة و نبيّن مظاهر تعالقها بين الآيات. فما هي طبيعة هذه العقوبات؟ و ما هي كيفيات تنفيذها؟ و ما مدى تفرّد القرآن في إرسائها عمّا جادل من مرجعيات ثقافيّة و دينيّة؟
غير أنّ نظرنا في نصوص المصحف الإمام قد كشفت لنا عن عدم تفصيل آيات الأحكام للموقف القرآني من الزنا لاقتصارهاعلى التشريع دون أن تبرّره أو تضبط الأركان الواجب توفّرها في الوطء ليصير زنا، أو تفصح عن وسائل مكافحته. و لقد توفّرت هذه الشروط في الآيات التي زجر فيها القرآن المؤمنين عن الزنا و وعظهم بالتعفف عنه و بيّن لهم مساوئه. و لذلك فقد رأينا أن نشرحها في بحثنا لنتبلّغ بها إلى إدراك دوافع الموقف القرآني من الوطء الفاسد و غاياته من تحريمه، و إلى تحديد حكم الزّاني المستتر بفعله بما أنّ القرآن - كسائر الكتب المقدّسة - ينشغل بسرائر النّاس مثلما ينشغل بعلانيتهم. فما هو مفهوم الزنا من خلال هذه النّواهي و العظات؟ و ما هي مرتبة آتيه الاجتماعيّة أو العقديّة؟ و ما هي أساليب القرآن في مكافحته و في التنبيه إلى مخاطره؟
غير أنّ الخطاب لم يُعبّر دائما عن الزنا بلفظه و إنّما كنّى عنه في عديد السّياقات بعبارات مختلفة منها ما تأكّدت دلالتها عليه بقرائن قاطعة، و منها ما كانت دلالتها عليه قابلة للتّأويل بالإثبات أو النّفي كلفظ"الفاحشة"،"فالعبارة القرآنيّة موسومة بالعموم، محكومة بالتّنوّع في إخبارها بأحكام الزنا [2] ."
و لقد أدّى كلّ تعبير وظيفة بيانيّة و مضمونيّة في صياغة الموقف من الوطء المحرّم وأبعاده و دواعيه. و لهذه العلّة فقد رأينا أن نوزّع الآيات إلى وحدات يجمع كلّ صنف منها اللفظ الذي عبّر به القرآن فيها عن الزنا لنبيّن أسباب عدوله عن التّصريح إلى التّلويح، و ننبّه إلى القرائن الدّالّة على حضور معنى الزنا في هذه النّصوص، و لنكشف التّمايز الدّلالي بين المفردات التي انتقاها الخطاب القرآني للتعبير عن الموقف الإلاهي من الوطء المحرّم.
و سنفرد كلّ آية بالبحث مع السّياق القرآني الذي وردت فيه لاقتناعنا بأنّ قراءة الآيات في سياق واحد قد تؤدّي إلى إفقادها بعض خصوصياتها باعتبار أنّ نزول القرآن مُنجَّما على النّوازل قد أكسب
(1) - نقصد بآيات الأحكام تلك التي اشتملت على أحد حدود الزّنا، كما نعبّر في بحثناعن الحدّ بلفظ الحكم باعتبار ارتباطهما بالتشريع خلافا لآيات النهي عن الزّنا التي تقتصر على التعبير عن الموقف القرآني من الوطء الفاسد و تفوّض الجزاء و العقوبة إلى الغيب.
(2) - أنور جمعاوي:"مقالة النّسخ في القرن السّادس للهجرة من خلال كتاب (النّاسخ و المنسوخ) لأبي بكر بن العربي"، بحث لنيل شهادة الدراسات المعمّقة، كلية الآداب و العلوم الإنسانيّة بسوسة، إشراف د. نائلة السّليني، السّنة الجامعيّة 2001 - 2002. ص 141.