و لكن رغم تفرّد القرآن إلى حدّ كبير في منهج التعامل مع الزنا و أحكامه فقد كانت له، كما أشرنا، مُوافقات مع الأعراف العربيّة القديمة و مع الدّيانتين السّماويّتين [1] السّابقتين له خصوصا على مستوى الموقف المبدئيّ منه لما ثبت من استبشاع هذه الجهات الأربع و تحريمها له. كما أنّه وافقها في الغايات من تحريمه المتمثّلة أساسا في اعتبار دونيّته و مناقضته للمنظومة الأخلاقيّة التي تواطأت على إرسائها، و في تأثيره في اتّصال الأنساب،"فالتشريعات القرآنيّة إنّما عمدت إلى تعديل العرف السّائد و تغيير بعض جزئيّاته أكثر ممّا أرادت الإلغاء التامّ لقواعد هذا العرف" [2] .
ولكن يبدو أنّ القرآن قد تأثّر بالتوراة في سنّ أحكام الزنا أكثر من الإنجيل و من الأعراف العربيّة القديمة خاصّة على مستوى توسّله، شأن شريعة النبيّ موسى، بالأسلوب التشريعي في سنّ الأحكام. و نزعم أنّ السّبب الأصلي لهذا التوافق هو وجود اليهود ضمن الجماعة المسلمة في المدينة و قدرتهم على التأثير، لمكانتهم الرّفيعة بين الأوس و الخزرج، و لنفوذهم الدّيني و الاقتصادي على سائر الطبقات الاجتماعيّة المؤلّفة للجماعة اليثربيّة قبل حلول النبيّ و جماعة المسلمين بينهم. فكان القرآن يحاورهم جميعا و هو يقدّ لهم أحكامهم في الزنا. و أمّا النصارى فقد كان حضورهم، في الفضاء العربي الذي شهد الوحي، هامشيّا إلى حدّ ما مقارنة بالحضور اليهودي، فلم يحتف القرآن بديانتهم احتفاءه باليهوديّة.
تراوحت إذن مواقف الأعراف العربيّة القديمة و الكتاب المقدّس بعهديه و القرآن من الزّنا بين التوافق و الاختلاف فاجتمعت إجمالا على تحريم الزنا و لكنها اختلفت في تحديده وفي ضروب أحكامه، حتى أنّ الاختلافات قد استشرت في الموقف الواحد كما بيّنّا من مخالفة أتباع المسيح لوصايا نبيّهم، وهذا دليل على صعوبة انضباط الإنسان بقانون شموليّ منغلق، و على تأثره بحركة التّطوّر الحتمي التي يشهدها بصورة مطردة. فكان على الأعراف و الأديان أن تجاري هذا القانون الطبيعي حتّى تحتفظ بشرعيّتها و من ثمّ سيادتها على الجماعات.
و إذا كانت هذه حال المواقف المبدئيّة للأعراف و لأتباع الديانات السّماويّة الحاضرة في القرآن في مراعاة تبدّل حاجات الإنسان و هي ترسي أحكام الزنا فكيف ستكون الفهوم و الممارسات التاريخيّة بعد انقطاع الوحي و استمرار حركة التطوّر العمراني؟
انتهى الفصل الأوّل
الفصل الرّابع و الأخير:
4 / تأثير الواقع في توجيه التعامل مع النصّ
أشرنا في غير مقام من البحث إلى أنّ طائفة من الأحكام القرآنيّة قد تنزّلت استجابة إلى اقتضاءات واقع جماعة النّبوّة المتنامي و المنفعل بعدّة عوامل نفسيّة و عمرانيّة مخصوصة، كما ذكرنا بأنّ توقف المَعين التشريعي المقدّس بوفاة الرّسول قد أوقع الخلف في معضلة تشريعيّة معقدة تمثلت في تحديد المصدر المكافئ للوحي حتى يحلّ محلّه في إرساء الأحكام لما يستجدّ في الواقع من نوازل. فتواطأ الأصوليون و الفقهاء على مصادر التشريع الأربعة المعروفة و انتهوا كما بيّنّا في الفصلين السّابقين إلى تحكيم الرّأي فيها. ثمّ واجهوا الواقع و سعوا إلى ضبطه بالاحتكام إلى هذا المنهج، فكان محتّما أن تنفعل الأحكام الفقهيّة / العقليّة الطّيّعة بالواقع و تتأثر به جرّاء الجدليّة الكثيفة الناشبة بينهما.
و أشرنا أيضا إلى استفحال ظاهرة العدول عن النّصّ في مقالات"المدوّنة"و"الجامع"في أحكام الزّنا، و وعدنا بإفراد هذا الفصل لمحاصرة أهمّ العوامل الواقعيّة / التاريخيّة الآيلة بالمالكيّة إلى هذا العدول و مقاربتها و النظر في مظاهر تأثيرها في تعامل الفقيه و المفسّر مع أحكام النّصّ ومقاصده و
(1) - انظر قوله: (يُرِيدُ اللهُ لِيَبَيّنَ لَكُمْ وَ يَهْدِيَكُمْ سَنَنَ الذِينَ مِنْ قبْلِكُمْ ... الآية) . النساء / 26.
(2) - كولسن:"في تاريخ التشريع الإسلامي". ص 36.