الصفحة 35 من 63

نتائجها. فما هي أهمّ تجلياّت ظاهرة تأثير الواقع في توجيه التعامل الفقهي و التفسيري المالكي مع أحكام النّصّ في الزنا و ما تعالق معه من مجالات تشريعيّة؟ و ما هي دوافعها؟

و لقد أدرك الفقهاء - دون شكّ - هذه الظاهرة و تفاعلوا معها من خلال تجربتهم في الإفتاء والقضاء و التصنيف، و علموا أنّ كثيرا من طوائف المسلمين لن تستسيغ مفارقتهم للنّصّ لسببين أساسيين، أوّلهما: ما ذكرناه من قداسة القرآن و شموليّته و عصمته و مكانته عند المتعبّدين التي أرساها الفقهاء والمفسّرون و الأصوليون أنفسهم. و ثانيهما: أنّ العدول الفقهي عن أحكام النّصّ سيضرّ في بعض جوانبه بمصالح بعض الأطياف المكوّنة للاجتماع الإسلامي، لفائدة طبقة السّيادة و القيادة. فما هي أهمّ أدوات الفقهاء عامّة و المالكيّة خاصّة في تجاوز هذه العقبات بتطويع الأحكام لمتطلّبات الواقع كما تصوّروها، و الاحتفاظ بقداستها في الآن ذاته؟

غير أنّه لئن أوحت عبارة"الواقع"بأنّها تحيل على الظواهر التّاريخيّة المادّيّة فإنّها تعني عندنا أيضا في هذا المقام الدّوافع الذاتيّة الموجّهة لتعامل الفقيه أو المفسّر مع النّصّ باعتبار أنّ القناعات الخاصّة و التركيبة النّفسيّة للإنسان هي في الواقع حصيلة تجربته التاريخيّة، و لذلك فإنّنا لن نفرّق بين الدّوافع الذاتيّة و الموضوعيّة لأهل الفقه، إذ لا شكّ عندنا أنّ الفقيه يعبّر في جانب كبير من مقالاته عن قناعات الجماعة وميولاتها الكامنة فيه، و أنّه انطلق في استنباط الأحكام التشريعيّة من تفاعل إيجابيّ مع مطالب جماعته و فهم عميق لخصائصها النفسيّة و الثقافيّة، فدفعه التصادم مع الأحكام القرآنيّة و النّبويّة المنغلقة و المتشدّدة - في الزّنا خاصّة - إلى تأويلها أو تعطيلها أو تعديلها بأدواته الفقهيّة للتخفيف من إقامة الحدود خاصّة بعد التحوّل الحضاري العميق الذي شهده المسلمون إثر الفتوحات، و الذي كان من أهمّ مظاهره توفر أسباب الزّنا بتكاثر السّبي من الغنائم، و تفشي مجالس الخمر و الجنس خاصّة في العصر العبّاسي.

و نشير إلى أنّه لئن تجلت ظاهرة تأثير الواقع في توجيه التعامل مع النّصّ في مدوّنتينا الفقهيّة والتفسيريّة فهي في"الجامع لأحكام القرآن"أجلى و أبين باعتبار تأخر القرطبي و جمعه، و نزوعه إلى تبرير الأحكام الفقهيّة الواردة في"المدوّنة"و غيرها، و نقله للأخبار و للمذاهب التفسيريّة و اللغويّة والكلاميّة المؤيّدة لها و المتلبّسة في معظم الأحيان بالشواغل التاريخيّة. و لقد توفرت في مصنفه مواد كثيرة شاهدة على ما نفرّعه من قضايا جلّتها ظاهرة انفعال الفقهاء بالواقع. و لذلك فإنّنا سنحتفي في استقصاء هذه الظاهرة أساسا بمقالات"الجامع"مقابل مقالات"المدوّنة"التي اقتصر فيها سحنون في الغالب - كما قدّمنا - على صياغة المسائل و الفتاوى دون أن يتوسّع في تبريرها استغناء بأقوال إمامه والتزاما بمنهج التصنيف الفقهي الدّارج في عصره، و إن كانت معظم الاختيارات الفقهيّة في"المدوّنة"شاهدة على ظاهرة عدول الفقهاء عن أحكام النّصّ في الزّنا.

4 -1 / العوامل الواقعيّة الموجّهة للفقه و التفسير و تجلّياتها

4 -1 - 1 / المصالح المرسلة

عبّرت أحكام مالك الفقهيّة عن اعتقاده الرّاسخ بأنّ الغاية الأساسيّة للتشريع القرآني هي حفظ المصالح و درء المفاسد، فدأب على تغليب هذا المبدإ في إرساء الأحكام المصنّفة في"الموطّإ"أو في ما نقله عنه أتباعه حتى اقترنت مقالة"المصالح المرسلة"بمذهبه، قال محمّد بلتاجي:"إنّنا نجد في فقهه ما يدلّ بوضوح على أنّ مستنده الأصيل في مسائل .. كثيرة هو الرّجوع إلى (المصلحة العامّة) كمصدر تشريعي مستقلّ يبني عليه ابتداءً حكمه في المسألة .. ثمّ هو في رجوعه إليها مُكثر من ذلك حتى يعتبرالقول بالمصلحة من خصوصيّات مذهبه" [1] . و نقل عن عبد الرّحمان أبي زهرة قوله:"ومن ثمّ كانت (المصلحة) بعد النّصّ القطعي هي قطب الرّحى في المذهب المالكي" [2] .

و يُحكَّم مبدأ المصلحة - نظريّا - في أحكام النّوازل التي لم يرد فيها نصّ باعتبار أنّ"المصالح المرسلة هي التي ترجع فقط إلى مقصود شرعيّ و لا يشهد لها بالاعتبار أصل معيّن و يُعلم كونها"

(1) - محمّد بلتاجي:"مناهج التشريع الإسلامي"، ص ص 453/ 454.

(2) - نفسه: ص 461.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت