الصفحة 33 من 63

من الإماء بغير قدر مشروط. و نوّع في الحدود و الأحكام التي تداولت بين ما هو محدّد و مُقدّر كالجلد، و ما هو عامّ كالحبس والإيذاء.

ثم اشترط في إقامة حدّ الزنا شهادة أربعة رجال عليه، و سنّ حكما لمن أدلى بشهادة فاسدة تشدّدا منه و تغليظا حتّى لا يفشو التّماشق بين المسلمين بالزنا، و حتى يقلّل من فرص إثبات الحدّ. و قضى بعزل الزّناة عن الجماعة المؤمنة بعدم مناكحتهم.

و أفاد الخطاب القرآنيّ العامّ في الزّنا بأنّ الحدّ يقام كاملا على الرّجال أحرارا و مماليك و على الحرائر، و ينصّف للأمة المحصنة، و يُدرأ عن المملوكة إن كانت بكرا أو أكرِهت"على البغاء".

و بالإجمال فقد أثبت القرآن للزنا نوعين و ركنين و سنّ له سبعة أحكام وردت جميعها في سورتيْ النساء و النور.

فنوعاه هما: زنا الأحرار و الحرائر، و زنا المحصنات من الإماء.

و رُكناه هما: نشوب فعل الوطء بين رجل و امرأة أجنبيين عن بعضهما أي أنّه لا يجمعهما عقد نكاح أو علاقة مُلكٍ، و ثبوته بأربعة شهداء.

و أمّا أحكامه فتنقسم إلى صنفين، خمسة منها خاصّة بالزّناة و اثنان بمن يرمون المحصنات به دون بيّنة. فوردت ثلاثة من حدود الزنا في سورة النساء و هي الحبس و الأذى للأحرار، و نصف العقوبة للإماء المتزوّجات، و شُرِّع الآخران في سورة النور بجلد الزاني و الزّانية مائة جلدة و الامتناع عن مُناكحتهما. غير أنّ النّصّ لم يكد يحمل أيّ قرينة أو إشارة قاطعة إلى إحكامه لأحد هذه الحدود دون غيره أو إلى إقامته لها جميعا على الزّناة، باستثناء ما أشرنا إليه من تركه لحكم الحبس مفتوحا و قابلا للتعديل.

و ورد حدّا الصنف الثاني في الرّمي بالزنا، فعمّ الأوّل كلّ من يرمي، دون بيّنة، امرأة أجنبيّة محصنة فيُجلد ثمانين. و خصّ الثاني الأزواج يرمون قريناتهم دون شهداء فيلاعنونهنّ.

و يدلّ تنوّع أحكام الزنا في القرآن و تداولها بين شتّى العقوبات و المقادير على مرونة تعاطيه مع الواقع السّائد و على رغبته في مُكافحة الوطء المحرّم دون إفراط في الرّدع. فلم يقض أبدا على الزّناة بالموت كما شرّعت التوراة أو بعض أتباع المسيح، بل لقد حرّم على العرب التوقّي من الزنا بوأد البنات.

و رغم أنّ القرآن قد اعتبر التّعفف عن الزنا شرطا من شروط الإيمان فإنه لم يكفّر مقترفه و إنما اكتفى بتوعّد الزّاني المستتر على فعله بالجزاء الغيبي الآجل و عقاب من انكشف أمره عقوبة مادّيّة عاجلة، و أبقى باب التّوبة مفتوحا للجميع ذلك أنّ آيات الزنا الثلاث من سورة النّساء مثلا قد"أنشأت نصّا جامعا لأحكام الحدّ في الزنا و هي حسب رأينا مراوحة بين التّعسير و التّيسير. بل هي إلى التيسير أميل إذا ما اعتبرنا معاني التوبة التي انغلقت عليها الآيتان الأوليان من النّساء" [1] .

و لئن كانت هذه الأحكام موجّهة في عمومها إلى الرّجل و المرأة على السّواء لأنّ فعل الزنا لا يتحقّق إلاّ باجتماعهما عليه فإنّ القرآن قدّم النساء فيه و احتاط منهنّ أكثر من حيطته من الرّجال بسبب دورهنّ الأساسيّ في حفظ الأنساب.

فقدّمهن الخطاب في حكم الجلد من سورة النّور، و حكم عليهن في الآية الخامسة عشرة من سورة النّساء دون الرّجل، وطالبهن بعد ذلك بضرب الخمر على الجلابيب لستر المفاتن التي تمثل بؤرة الغواية و داعي الزنا، و اشترط عليهن التّعفّف عن الوطء الحرام ليُُجَزْن بالالتحاق بالجماعة المؤمنة، و أعفى، في مقابل ذلك، الرّجل. ثمّ توجّه بالخطاب في سائر آيات الزنا إلى الجنسين معا باعتبار أنّ الخليط منهما يخاطب بصيغة الجمع المذكّر.

و إذا كان القرآن قد سنّ للزنا أربعة أحكام فقد نهى عنه و وعظ بهجره في أربع عشرة آية بما يدلّ على أنّ الحيطة منه أوكد عنده من الاقتصاص من آتيه. و يوحي ورود آيات الأحكام في الزنا أقلّ تفصيلا من آيات النّهي بأنّ العقوبة لم تكن الطّلبة الأساسيّة للقرآن. و إلاّ يكن ذلك فكيف يقرّ السّلف بأنّ القرآن نصّ تشريعيّ بامتياز ثمّ يكتفي بإجمال الأحكام في الزنا رغم الحاجة إلى أن يكون أسلوب إجرائها محدّدا و مفصّلا؟

(1) - نائلة السليني:"تاريخيّة التّفسير القرآني"، ج 1 ص 174.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت