فاحتمل تكرارها في كلّ مرّة أحكاما أو معاني مخصوصة، فسنّ الخطاب في السّياق الأوّل (الآيتان 4 و 5) أحكام من رمى امرأة أجنبيّة [1] محصنة بالزنا، ثمّ استثنى في الآيات (6 و 7 و 8 و 9) من هذه الأحكام الرّجال الذين يرمون حلائلهم، و أضاف في الآية الأخيرة على حكم القذف حكما غيبيّا على الرّماة بالزنا. و يهمّنا من هذه التعرّضات السّياقان الأوّلان لما تضمّناه من حدود.
? قوله: [وَ الذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأتوا بأرْبَعَةِ شهَدَاءَ فاجْلِدُوهُمْ ثمَانِينَ جلْدَة وَ لاَ تَقبَلُوا لَهُمْ شهَادَة أبَدًا وَ أولئِكَ هُمُ الفَاسِقونَ (4) إلاّ الذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ و أصْلَحُوا فإنَّ اللهَ غفورٌ رَحِيمٌ (5) ] [2] .
تلت هاتان الآيتان في ترتيب المصحف الإمام سياق أحكام الزنا الذي عرضناه آنفا (الآيتان 2 و 3) . و قد سنّتا حُكمين لمن يرمي امرأة محصنة دون أن يُسند دعواه بأربعة شهداء. فيُجلد ثمانين و لا تقبل شهادته سائر أيّامه إلاّ أن يتوب"مِنْ بَعْدِ ذلِكَ"و يُصلح أي أن تطابق سيرته النموذج السلوكي الإسلامي المنشود.
و لقد ورد هذا الحكم خاصّا في النّساء المحصنات يُقذفن. فلم ينصّ بيان الآية على حكم الرّجل يرمي الرّجل بالزنا أو المرأة ترمي الرّجل، و يعود ذلك في زعمنا إلى ما أشرنا إليه من ارتباط سلامة العرض و نقاوة النّسب بالنّساء. و يؤكّد هذا الموقف القرآني انفتاح أحكامه، أوان تشكّلها، على مشاغل مجتمع الدّعوة و خصائصه النفسيّة و القيميّة.
إلاّ أنّ عموم هذا الحكم قد أفرز إشكالا تشريعيّا هو وضعيّة الرّجل يرمي زوجته بالزنا و لا يوفّر الشهود، هل يجلد ثمانين و لا يُنظر إلى قوله و قد تجشم المخاطرة بعرضه و أسرته؟ أم يُصدَّق على المرأة فيُقام عليها الحدّ رغم احتمال براءتها، و احتيال الزّوج في توريطها لمأرب ما؟
و لقد استجاب القرآن إلى هذا المطلب التشريعي فرأب الصّدع و سدّ الثغرة حين منح للزّوج القاذف و للزّوجة المقذوفة رخصة للإفلات من الحدّ.
? قوله: [وَ الذِينَ يَرْمُونَ أزْواجهُم وَ لمَْ يَكُنْ لَهُمْ شهَدَاءُ إلاَّ أنْفسُهُمْ فشهَادَة أحَدِهِمْ أرْبَعُ شهَادَاتٍ باللهِ إنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَ الخامِسَة أنْ لَعْنَة اللهِ عَلَيْهِ إن كاَنَ مِنَ الكَاذِبِينَ (7) وَ يَدْرَأ عَنْهَا العَذابَ أنْ تشهَدَ أرْبَعَ شهَادَاتٍ باللهِ إنّهُ لَمِنَ الكَاذِبينَ (8) وَ الخامِسَة أن غضبَ اللهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) ] [3] .
فإنْ رَمَى الزّوجُ قرينته بالزنا و لم يُحضر الشهداء و أراد الإفلات من الحدّ فعليه أن يَشهد أربع مرّات على صحّة دعواه، ثمّ يلعن نفسه في الخامسة إن كان قد افترى عليها.
و بقيام هذا الرّكن يحقّ الحدّ على المرأة. غير أنّ الخطاب قد منحها بدورها رخصة درء العقوبة عن نفسها متى نقضت شهادات الزّوج بأربع تقيمها على كذبه و تخمّسها بالدّعاء على نفسها بغضب الله إن كان من الصّادقين. إلاّ أنّ النصّ لم يحدّد للزّوجين مصير عقدة نكاحهما بعد المُلاعنة. هل تبقى قائمة بينهما؟ أم يفترقان بطلاق أو بغيره؟
اتسم إذن الموقف القرآني من الزنا بالشدّة و الحيطة. فاعتبر إتيانه انتقاصا من إيمان الفرد و من مكانته الاجتماعيّة في الأرض أو عند ربّه في عليائه، و عُدَّ آتيه مارقا عن النظام القيمي الذي يمثل في التصوّر الإسلامي العقد الأمتن المبرم بين مكوّنات الجماعة و بينها و بين ربّها.
و دلّ هذا الحرص القرآني على مكافحة الزنا على استفحاله في الفضاء العربي الذي ظهر فيه الإسلام. و أكّد، في الآن ذاته، على موافقة القرآن من حيث المبدأ للأعراف العربيّة القديمة و للدّيانتين الكتابيّتين في الموقف من الزنا سياسة منه في استقطاب أهلها إلى الإسلام.
و رغم هذا الموقف القرآني المُجاري في بعض مبادئه العامّة للأعراف و المعتقدات السّائدة فقد تفرّد إلى حدّ كبير بمنهج خاصّ في إرساء أحكام الزنا و في أساليب التوقي منه. فوسّع على الرّجال في رخص المتعة الجنسيّة ساعة رفع عدد الزّوجات من واحدة إلى أربع، و حين أباح لهم التّمتّع بملك اليمين
(1) - ابن منظور: نفسه، ج 1 ص ص 456 - 457.
(2) - سورة النور: 24/ 4 - 5.
(3) - سورة النور: 24/ 6 - 7 - 8 - 9.