الصفحة 31 من 63

عقائد أعداء الدّعوة ممّن وُسِموا بالمنافقين، إلى جملة من الأحوال الشّخصيّة للرّسول ولجماعته. و لقد تُرجمت هذه المقاصد منذ الآية الثّامنة و العشرين من السّورة حينما تحوّل الخطاب إلى نساء النّبيّ فاِستغرقت محاورتهنّ سبع آيات خُيِّرن فيها بين المكوث تحت الرّسول أو مفارقته، وحُذِّرن من الإساءة إليه.

ثمّ تعمّم هذا الخطاب في الآية الخامسة والثّلاثين على المسلمين والمسلمات مبيّنا أنّ من يتحلّى بما ذكره من خصال يُغفر له ويُجزل له الثّواب، ومنها حفظ الفرج عن الزنا. فدأب القرآن على اِستخدام نفس لفظ سور"النّور"و"المؤمنون"و"المعارج"في التعبير عن الوطء الفاسد، ثمّ احتفظ بأسلوبه في صياغة النّهي عن الزنا و الحثّ على هجره ضمن جملة من القيم يعقد المرء عليها سيرته و سريرته حتّى تكتب له النّجاة من العذاب المرصود بعد الموت، فوافق بذلك أساليب الآيات المعبّرة عن الزنا بلفظه الواردة في كل ّ من سور"الإسراء"و"الفرقان"و"الممتحنة".

واللاّفت أنّ الخطاب قد ورد في هذه السّورة كأليَن ما يكون فلم يذكر الزنا بلفظه و لم ينه عنه و لم يرصد لآتيه عقوبة آجلة أو عاجلة، بل اقتصر على اِعتبار التّعفّف عنه كافلا للفلاح بنيل المغفرة و النعيم الموعود بالغيب.

1 -2 - 4 / البغاء

ذكِرت مادّة (بغي) في القرآن بمعنى الزنا في آيتين هما الآية العشرون من سورة"مريم"في قوله: (قالَتْ أنَّى يَكُونُ لِي غلاَمٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشرٌ وَ لَمْ أكُ بَغيًّا) ، و في الآية الثالثة و الثلاثين من سورة النّور في قوله: [وَ لْيَسْتعْفِِفِ الَّذِينَ لاَ يَجدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيهِمُ اللهُ مِنْ فضْلِهِ وَ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خيْرًا وَ آتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَ لاَ تُكْرِهُوا فتَيَاتِكُمْ عَلَى البغَاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ مَنْ يُكْرِهْهُنَّ فإنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إكْرَاهِهِنَّ غفورٌ رَحِيمٌ] [1] .

و نقتصر على عرض الآية الواردة في سورة النّور لاشتمالها على حكم فرعيّ في الزّنا و لاكتفاء القديسة مريم بنت عمران في السّورة الموسومة باسمها بتبرئة نفسها من صفة البغاء دون أن يذكر الخطاب موقفه منه.

و لقد ورد النّهي عن الزنا في آية"النّور"ضمن سياق طغى عليه الإنشاء الطّلبي أمرا و نهيا، فدعا الخطاب في أوّلها غير المقتدرين على الزّواج من المؤمنين إلى التّعفف عن الزنا حتّى يصادف ميسرة من فضل الله يحقق بها وطره، ثمّ تحوّل إلى الحث على التّفضل على الرّقيق و مُكاتبتهم لإعتاقهم.

و لكن سرعان ما عاد إلى الزنا ليسدّ إحدى ذرائعه بالنّهي عن إكراه الأسياد لإمائهم على البغاء. و"بغت الأمة .. عهرت و زنت .. و .. البغايا الإماء لأنّهنّ كنّ يفجرن .. و .. بغت المرأة إذا زنت .. وباغت المرأة .. إذا فجرت .. و في التّنزيل العزيز [وَ لاَ تُكْرِهُوا فتَيَاتِكُمْ عَلَى البغاءِ] . و البغاء الفجور .. و لا يُراد به الشتم" [2] .

و يؤكّد هذا النّهي تفشي ظاهرة الاِتّجار الجنسي بالإماء في العصر الذي شهد نزول القرآن. فسعى الخطاب، في زعمنا، إلى إعفاء الإماء من هذا المغرم من جانب، وقطع السّبيل أمام إحدى ذرائع الزنا من جانب آخر. ثمّ برّأ الإماء من إثم الزنا في حال الإكراه و وعدهنّ بالمغفرة في قوله: [وَ مَنْ يُكْرِهْهُنَّ فإنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إكْرَاهِهِنَّ غفورٌ رَحِيمٌ] . غير أنّه أضرب عن الحكم على المكرِهين، و هي مسألة لافتة خصوصا إذا ما اِستحضرنا تشدّده مع الزّانيات و الزّناة في جلّ ما عرضنا من أحكام. و لعلّ أقرب تفسير لهذه المفارقة هو ما ذكرناه من سياسة المراحل التي انتهجها القرآن في تعديل الموقف العرفي العربي من الزّنا.

1 -2 - 5 / رَمْيُ المُحصنات

مثلما غلّظ القرآن عقوبة الزنا فقد زجر المؤمنين عن رمي بعضهم بعضا به فتعرّض الخطاب إلى مسألة رمي المحصنات في ثلاث مناسبات وردت جميعا في سورة النّور (الآيات 4 و 6 و 23) .

(1) - سورة النور: 24/ 33.

(2) - أي ليست زوجته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت