? و قوله: [والَّذيِنَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْر مَلُومِينَ (30) فمَنِ اِبْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) ] [1] .
كرّر القرآن كما هو معلوم آيات سورة"المؤمنون"بذات الألفاظ و التراكيب في سورة"المعارج. و يعود أسلوب التكرار [2] في تقديرنا بالأساس إلى أهمّيّة محتوى الآيات في التوقّي من الزّنا."
و لقد رغب الخطابُ المؤمنين في هذا السّياق، شأنه في سورة"الفرقان"، في التّحلّي بصفات سنّها لهم وفرضها عليهم، منها حفظ الفرج عن الزنا فتوسّل لذلك، مرّة أخرى، بأسلوب التّراكيب الموصوليّة المعطوفة على بعض، فوردت جميعها مقدِّرة عن (المُؤْمِنُونَ) ، مثلما قدَّرت عن (عِبَادُ الرَّحْمَانِ) في"الفرقان". وجزاء التّحلّي بهذه الصّفات، حسب الوعد القرآنيّ، هو وراثة جنّة الفردوس [3] الّتي كنّى عنها الخطاب في"الفرقان"بالغرفة [4] .
ولقد تميّز ذكر الزنا في سورتي"المؤمنون"و"المعارج"عن سائر التّعرّضات باِستغراقه في كلّ منهما لثلاث آيات بتمامها فذُكر في الأولى منها حفظ الفرج كشرط من شروط الفلاح للمؤمن، و ذكر في الثّانية الرّخص الممنوحة للمؤمنين لتلبية رغباتهم الجنسيّة، ثمّ أشار في الآخرة إلى عقوبة المخالف دون أن يصرّح بها، فمن لا يحفظ فرجه عن المحارم فهو عادٍ حسب التّعبير القرآني. والعادي عند اِبن منظور هو:"الظّالم .. وأصله من تجاوز الحدّ في الشّيء .. وقوله عزّ وجلّ [فَمَنِ اِبْتَغَى وَرَاءَ ذلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العَادُونَ] أي المُجاوزون ما حُدَّ لهم وأمروا به" [5] . فحدّدالقرآن في هذه الآيات الحالات التي يصير فيها وطء الرّجل للمرأة زنا حين ضبط له هويّة النّساء اللاّتي لا يجوز له وطء سواهنّ، فحصر معنى الزنا في كلّ وطء ينشب خارج ضابطي الزّواج و ملك اليمين.
و لئن تشدّد القرآن في الحكم على الزّناة في بعض المقامات فإنّه طالما اختار اللين و الوعظ سبيلا لكف المؤمنين عن الوطء المحرّم، كما في هذه الآيات، وهو ما يكشف عن اِزدواجيّة الأسلوب القرآني في صرف المؤمنين عن الزنا بالتّرغيب و التّرهيب.
ولكن يبدو أنّ الخاصيّة الأهمّ في آيات الزنا من هاتين السّورتين و في سياقهما بشكل عامّ هي أنّ الخطاب يتوجّه فيهما إلى عموم المؤمنين دون تمييز بين الرّجال والنّساء. فهو، في ظاهره، يحتمل أن يكون موجّها إلى الجنسين خصوصا وأنّ هذا الاِستعمال شائع في القرآن. ولو يصحّ هذا المعنى فإنّ التّسرّي [6] يصير من حقّ المرأة مثلما هو من حقّ الرّجل بما أنّ المؤمنين، في الآية، غير ملومين على نكاح ما ملكت أيمانهم.
و لئن توفرت في هذه الآيات بعض الإشارات التشريعيّة الحاسمة في الزّنا فقد وردت في مقام عرض صفات المؤمنين المفلحين، أكثر ممّا وردت في ذمّ هذا الفعل أو الحكم على آتيه. و يمعن القرآن، بهذا الأسلوب، في التنفير من الزنا وإن لم يصرّح بتحريمه.
و تؤكّد الآية الثالثة و الثلاثون من سورة"الأحزاب"هذا المنحى القرآني في الاقتصار على مخاطبة ضمائر المؤمنين لترغيبهم في ترك الزنا دون أي إشارة جزائيّة بالعذاب البدني أو المعنوي العاجل أو الآجل.
? قوله: [إنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَالقَانِتِينَ وَالقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالخَاشِعِينَ وَالخَاشِعَاتِ وَالمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ الله كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ الله لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا] [7] .
لئن وُسِمت سورة الأحزاب التي تضمّنت هذه الآية باِسم المعركة الّتي خاضها المسلمون في مواجهة قريش و أحلافها من اليهود و الأعراب فإنّها لم تتمحّض لعرض أحداثها، فقد عرضت، فوق
(1) - المعارج: 70/ 29 - 30 - 31.
(2) - معلوم أنّ هذا الأسلوب مطّرد في القرآن.
(3) - الأحزاب: 33/ 35 و المعارج: 70/ 35.
(4) - الفرقان: 25/ 75.
(5) - اِبن منظور:"لسان العرب"ج 9 ص 92.
(6) - هو وطء ملك اليمين.
(7) - سورة الأحزاب: 33/ 35.