الصفحة 29 من 63

عبّرت عن هذه المقاصد الآية الواردة في سورة"النّور". و اختصّ ثانيهما بتمييز الوطوءات الشرعيّة من الوطوءات الفاسدة، و بتعظيم المؤمنين المتعفّفين عن الوطء المحرّم ضمن الآيات الواردة في سور"الأحزاب"و"المؤمنون"و"المعارج".

و لقد رأينا أن نفرد الآية المشتملة على أسلوب الأمر بالشرح و التحليل لنكشف مدى موافقتها للنّصوص التي نهت عن الزنا بلفظه، و لندرك إضافتها عليها خصوصا على مستوى الإجراء المسنون فيها لمكافحة أهمّ دواعي نشوب العلاقات الجنسيّة الفاسدة. ثمّ نعرض بقيّة الآيات التي أثنى فيها الخطاب القرآني على المؤمنين المتعفّفين عن الوطء الفاسد لنبيّن دلالات أساليبها على الزّنا و دورها في رسم حدوده.

? قوله: [َ قلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أبْصَارِهِمْ وَ يَحْفظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِك أزْكَى لَهُمْ إنَّ اللهَ خبيرٌ بمَا يَصْنَعُونَ (30) وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أبْصَارِهِنَّ وَ يَحْفظنَ فُرُوجَهُنَّ وَ لاَ يُبْدِينَ زِينَتهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَ لْيَضْرِبْنَ بخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبهِنَّ وَ لاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أوْ آبَائِهِنَّ أوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ أبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ إخْوَانِهِنَّ أوْ بَنِي إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي أخوَاتِهِنَّ أوْ نِسَائِهِنَّ أوْ مَا مَلَكَتْ أيْمَانُهُنَّ أوِ التابعِينَ غيْرِ أولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أوِ الطِّفلِ الذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَ لاَ يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَ تُوبُوا إلَى اللهِ جَمِيعًا أيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفلِحُونَ (31) ] [1] .

بُدِئَ الخطاب في الآيتين بفعلِ أمْرٍ للرّسول بأن يطلب من المؤمنين و المؤمنات غضّ البصر [2] عمّن يحرم عليهم و عليهنّ من النّساء و الرّجال، و حفظ الفرج عن الزّنا. غير أنّه لئن ورد التكليف في المقامين بنفس الألفاظ و نفس الأسلوب تقريبا فقد حث القرآن المؤمنات على التوقي من الزّنا أكثر ممّا حث المؤمنين، فلم يكتف الخطاب بتقديم المرأة على الرّجل في سنّ حدود الزنا كما رأينا في آيات الأحكام من سورتي"النّور"و"النّساء"بل أمرها في هذه الآية بالاختفاء خلف الخُمُر لتجنيب الرّجال الأجانب من غير المحارم محنة الشغف بجمالهنّ و مفاتنهنّ الموقعة في الخطيئة. و الخُمُرُ جمع خِمارٍ و"التّخمير التّغطية، و يقال خمّر وجهه .. و الخِمْرة الاِستخفاء .. وخمَر الشّيء .. ستره .. و الخمار للمرأة هو النّصيف [3] ، و قيل: الخمار ما تغطّي به المرأة رأسها .. و تخمّرت بالخمار ..: لبسته، وخمرت به رأسها: غطّته" [4] . و يُفهم من هذه التعريفات أنّ الاختمار يكون بكساء تضعه المؤمنات ليخمرن به شعورهنّ أي ليحجبنها عن الأبصار. ثمّ يرسلن ذلك الخمار على جيوبهنّ. و الجيب هو"جيب القميص و الدّرع و الجمع جيوب. و في التّنزيل .. [وَ لْيَضْرٍبْنَ بخمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبهِنَّ] .. وجيّبته: جعلت له جيبا" [5] .

فكأنّنا بالقرآن يجعل من ستر الجزء العلوي لجسد المرأة، باعتباره واجهة الأنوثة و الإغواء، درعا أخيرة أمام فاحشة الزنا بعد أن أمر المؤمنين و المؤمنات بغضّ أبصارهم عن بعضهم البعض. فيصطدم تحديق العادين بالحجب المسدلة على الأعضاء المشتهاة في المرأة. و الواقع أنّ هذا الإجراء التشريعيّ يمثل نظاما وقائيّا كفيلا بالتخفيف من ظاهرة الزّنا.

إلاّ أنّ الخطاب لم يسنّ في الآيتين أيّ عقوبة للعصاة و لا حتّى توعّدهم بجزاء آجل إذ يبدو أنّه قد استغنى عن الحدود بما سنّه و أكّده في آي الأحكام من سورتي"النّور"و"النساء". فاكتفى بالنهي عن الزنا و بيّن السّبيل الضامنة للحدّ منه بإزالة داع من أوكد دواعيه.

و كما نهى القرآن عن الزّنا وسنّ له الأحكام فقد رسم له حدوده في سورتي"المؤمنون"و"المعارج"ساعة عيّن للمؤمنين من يجوز لهم وطؤهنّ ممّن يحرمن عليهم مطلقا.

? [وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنْ اِبْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العَادُونَ (7) ] [6]

(1) - سورة النور: 24/ 30 - 31.

(2) - نجد صدى الأمر بغض البصر في قول متّى:"من نظر إلى امرأة ليشتهيها، زنى بها في قلبه"، الإنجيل:"بشارة متَّى"، ص 11.

(3) - النّصيف هو"الخمار و قد نصّفت المرأة رأسها بالخمار، و ... النّصيف ثوب تتجلّل به المرأة فوق ثيابها كلّها ... و سُمّي نصيفا لأنّه نصَفٌ بين النّاس و بينها فحجز أبصارهم عنها"."اِبن منظور:"لسان العرب"ج 14 ص 166."

(4) - اِبن منظور:"لسان العرب"، ج 4، الصّفحات 211 و 212 و 213.

(5) - اِبن منظور:"لسان العرب"، ج 2 ص 433.

(6) - المؤمنون: 23/ 5 - 6 - 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت