و لو كان المقصود بالعذاب الأذى أو الحبس، أو الرّجم المنسوب إلى الرّسول فكيف يمكن أن يتنصّف؟ إلاّ أن تكون هذه الآية تالية في النّزول للحكم الوارد في سورة النّور، و هو أرجح المحامل منطقيّا، فيكون المقصود بالعذاب هو جلد الأمة المتزوّجة، في حال زناها، خمسين جلدة بما يعدل نصف عقوبة الحرّة المتزوّجة. و تتأتّى رجاحة هذا المذهب، في تقديرنا، من كون الجلد هو العقوبة الوحيدة القابلة للتّنصّف، و من كون القرآن قد كنّى عنه بالعذاب كما رأينا في قوله [وَ لْيَشهَدْ عَذابَهُمَا طَائِفة مِنَ المُؤمِنِينَ] [1] .
و يعود تمييز الخطاب في أحكام الزّنا بين الحرائر و الإماء في تقديرنا إلى سببين رئيسيين:
أوّلا: أنّ الزنا كان مهنة لبعض الإماء كما بيّنّا في مقام عرضنا لمواقف العرب القدامى منه، حتّى أنّهنّ تمادين في هذا الدّور بعد ظهور الإسلام إلى أن ألغته الأحكام القرآنيّة. فرأى القرآن أنّ من حسن السّياسة في الدّعوة إلى الإسلام و الترغيب فيه أن يتدرّج في إلغاء هذا العرف لتعوّد العرب عليه واستمتاعهم به و استرزاقهم منه.
ثانيا: أنّ القرآن كان مدركا لجور النظام العرفيّ العربيّ القديم على الإماء بتمكين سادتهنّ من إكراههنّ على الزّنا، فعالج المسألة بثلاثة إجراءات تشريعيّة أوّلها ما ذكرناه من تنصيف العقوبة لمن تزوّجت من المملوكات فزنت. و ثانيهما توقّفه في هذه الآية عن إرساء حدّ للزّانيات الأبكار، و لقد حملنا على هذا المعنى الأسلوبُ الشرطيّ المستعمل في قوله [فإذا أحْصِنَّ فإنْ أتيْنَ بفاحِشةٍ فعَلَيْهِنَّ نِصْف مَا عَلَى المُحصَناتِ من العَذابِ] أي أنّ القرآن قد جعل الزّواج شرطا لإقامة حدّ الزّنا على المملوكات. وورد ثالث الإجراءات التشريعيّة القرآنيّة في سورة النّور ساعة نهى الخطاب، كما سيأتي، عن إكراه الإماء على الزّنا.
و يتبيّن جليّا أنّ هذه الآية قد زادت في تخصيص خطاب سورة النّور، المعمّم للحدّ على كلّ الأطياف الاجتماعيّة، من خلال تنصيفها لحكم الحواصن من الإماء و إشارتها إلى درء الحدّ عن المملوكات الأبكار.
و يقابل هذا الغموض في أحكام الزنا، المُتأتي أساسا من عموميتها و من التباسها بمشاغل الجماعة المُحاورة لها، وضوحٌ في باقي الآيات، و بألفاظ أقلّ حدّة من عبارتي"الزنا"و"الفاحشة". فأيّ دور نهضت به هذه الآيات في تحديد معنى الزنا و تبرير تحريمه؟ و ما مدى إسهامها في مُكافحته؟ و ما هي دلالات الألفاظ المستخدمة فيها للتعبير عن الزنا؟
1 -2 - 3 / حفظ الفرج
كنّى الخطاب القرآني عن الزنا، بعد"الفاحشة"، بعبارة"حفظ الفرج"في أربعة سياقات شملت تسع آيات وردت اثنتان منها في سورة النّور / 24 (الآيتان 30 - 31) و أخرى في سورة الأحزاب / 33 (الآية 35) و ست أخرى موزعة بالتساوي بين سورتي"المؤمنون"/ 23 (الآيات 5 - 6 - 7) و"المعارج"/ 70 (الآيات 29 - 30 - 31) .
و معنى الفَرْجِ عند اِبن منظور هو:"العورة: والفرج شِوَارُ [2] الرّجل و المرأة، والجمع فروج. والفرج اِسم لجمع سوءات الرّجال و النّساء .. ، وما حواليها كلّه فر ج .. وفي التّنزيل .. (وَ الَّذيِنَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ) ، قال الفرّاء: أراد على فروجهم يحافظون" [3] .
وحفظ الفرج إنّما يكون عن الزنا، فالاِستعمالان (حفظ الفرج و الزنا) شديدا التّقارب في المعنى لولا أنّ العبارة الأولى أكثر لينا من عبارة الزنا الواردة لما تحمله من شحنة تهجينيّة. و أنّ الغاية الوقائيّة والوعظيّة من هذه الآيات لم تستدع لفظ الزّنا باعتباره يدلّ على الخطيئة نفسها.
و لقد انقسمت دلالات استعمال القرآن لعبارة"حفظ الفرج"هذه إلى ضربين أدّى كلّ منهما دورا مخصوصا في مكافحة الزنا. فاشتمل أوّلهما على أمر جامع و ملزم للمؤمنين و المؤمنات بحفظ فروجهم عن الوطء المحرّم، و بالتوقي منه حين يستأصلون أهمّ أسبابه و هو النظر المعتبر قناة الشهوة. و قد
(1) - سورة النّور: 24/ 2.
(2) - قال اِبن منظور:"الشِّوار فرج المرأة و الرّجل"، نفسه، ج 7 ص 235.
(3) - نفسه: ج 10 ص 209.