النّساء و حكم الآية الثانية خاصّا في الرّجال، و يصير السّياق كلّه متناغما مع آية الجلد في سورة النّور على مستوى تقديم المرأة في حكم الزّنا.
و لقد خصّصت هاتان الآيتان جانبا ممّا ذكرناه من عموم الخطاب في سورة النّور باعتبار أنّهما قد رفعتا الحدّ عن أهل الذمّة من خلال تخصيصهما له في المسلمين في قوله:"مِنْ نِسَائِكُمْ"و"مِنْكُمْ". فما هو دور الآية التالية في مزيد تخصيص الخطاب القرآن؟
? قوله: [وَ مَنْ لَمْ يَسْتطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أنْ يَنكِحَ المُحْصَناتِ فمِمََّا مَلَكَت أيْمَانكُمْ مِنْ فتيَاتِكُمْ المُؤمِناتِ وَ اللهُ أعْلَمُ بإيمَانِكُمْ بَعْضكُمْ مِنْ بَعْضٍ فاِنكِحُوهُنَّ بإذنِ أهْلِهِنَّ وَ آتوهُنَّ أجُورَهُنَّ بالمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غيْرَ مُسَافِحات وَ لاَ مُتَّخِذاتِ أخدَانٍ فإذا أحْصِنَّ فإنْ أتَيْنَ بفَاحِشَةٍ فعَلَيْهِنَّ نِصْف مَا عَلَى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خشِيَ العَنَت مِنْكُمْ وَأنْ تصْبرُوا خيْرٌ لَكُمْ وَ اللهُ غفورٌ رَحِيمٌ] [1] .
تلت هذه الآية في ترتيب المصحف الإمام آية نكاح المتعة من سورة النّساء. و لم يفصلها عن سياق الأحكام الآنف سوى ثماني آيات حدّدت للزّوج علاقته بأملاك زوجته وعيّنت له محارمه.
و أوّل ملامحها أنّها لم ترد تخصيصا لسنّ حدّ للزنا و إنّما ساقت رُخصة للإشباع الجنسيّ لغير المقتدرين من الرّجال على نفقة الزّواج في سياق التوسعة على المؤمنين في المناكح، فوردت امتدادا لآية المتعة باعتبار أنّ الخطاب قد أباح للمؤمنين وطء ملك يمين الغير بالزّواج بعد اِستئذان أهلهنّ إيتائهنّ (أجُورَهُنَّ) ، و كنّى عنهنّ بِ [فتَيَاتِكُم المُؤْمِنَاتِ] فاشترط الإيمان لنكاحهنّ.
فلم يمثل التّعرّض للزنا المكنّى بالفاحشة، سيرا على العادة في هذه السّورة، سوى مقصد فرعيّ من سياق شامل، وذلك بأن يقام الحدّ على من أحصنت من الإماء المؤمنات بالزّواج فزنت و مقداره (نِصْف مَا عَلَى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ) .
و لقد كنّى الخطاب عن الصّنفين من النّساء رغم اختلافهما بمشتقّين من نفس مادّة (حَصن) فعبّر عن الصّنف الأوّل بصفةٍ: (المُحْصَنَاتِ) وعن الصّنف الثاني بفعلٍ: (أُحْصِنَّ) .
غير أنّه لئن لبّس هذا الأسلوبُ المعنى الحقيقيَّ لجذر (حصن) فقد فرّق سياق الآية بوضوح بين صنفي النّساء المعنيات فيها باعتبار أنّ المقصود بالمحصنات هنّ الحرائر اللاّتي لا أزواج لهنّ، و يدلّ على معنى الحرّيّة مقابلة الخطاب لهنّ بالمملوكات (مِنْ مَا مَلَكَت أيْمَانكُمْ) ، و يدلّ على عدم الزّواج تحريم الإسلام على المرأة المسلمة عقد نكاحين. و أمّا المقصود بقوله (فإذا أحْصِنَّ) فهنّ الإماء المتزوّجات. و هذا يعني أنّ القرآن يطلق الإحصان، في الآن ذاته، على الحرائر ثيّبات و أبكارا و على المملوكات المتزوّجات، و أنّه لا يفرّق في الأحكام بين البكورة و الإحصان إلاّ في الإماء.
و يبدو أنّ هذا الاستعمال القرآني المرن لمادّة (حَصن) قد انعكس على تعريف الّلغويين للفظ، قال ابن منظرور:"امرأة حَصانٌ .. عفيفة بيّنة الحصانة و الحُصْنِ و متزوّجة أيضا .. و قد حَصُنت إذا عفّت عن الرّيبة .. و المُحصنة التي أحصنها زوجها .. فالمعنى أنّهنّ أحصِنّ بالزّواج .. و المرأة تكون مُحصَنة بالإسلام و العفاف و الحرّيّة و التّزويج .. وقوله تعالى [فَإذا أحْصنَّ فإن أتيْنَ بفاحِشةٍ فعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذابِ] فإنّ اِبن مسعود .. قال: إحصانُ الأمة إسلامها، و كان اِبن عبّاس .. يفسّره: فإذا أحصِنّ بزوج .. و قال الزّجّاج في قوله تعالى [مُحْصِنِينَ غيْرَ مُسَافِحِينَ] ، قال: متزوّجين غير زناة و .. قال الأزهري: والأمة إذا زُوِّجت جاز أن يُقال قد أحصنت لأنّ تزويجها قد أحصنها، و كذلك إذا أعتِقَتْ فهي مُحصنة لأنّ عتقها قد أعفّها، وكذلك إذا أسلمت فإنّ إسلامها إحصان لها .. و الحواصِن من النّساء الحبالى" [2] . فما مدى تأثير هذا التنوّع و الاختلاف في تعريف الإحصان على المقالات الفقهيّة و التفسيريّة المالكيّة؟ و ما مدى التزام سحنون و القرطبي و سلفهما بأسلوب القرآن في استخدام هذا الّلفظ؟
ولقد وُسِمت عقوبة الزّنا في الآية بالعذاب. وهو معنى عامّ يحيل على سائر آيات الأحكام في الزنا لتمييز المقصود منها تحديدا. و لقد أكّد تعريف الخطاب للفظ العذاب بأنّ القرآن قد أسبق سنّه في إحدى الآيات.
(1) - سورة النساء: 4/ 25.
(2) - ابن منظور:"لسان العرب"، ج 3 ص ص 209 - 210.