الصفحة 26 من 63

و لقد توفّرت شروطنا هذه بالأساس في ثلاث آيات من سورة النّساء أغنتنا عن سواها لقطعيّة دلالتها على الوطء الفاسد عندنا و لما انطوت عليه كلّ منها من أحكام تشريعيّة مخصوصة في الزنا. فما هي طبيعة هذه الأحكام؟ و ما هي دلالات تنوّعها؟

? قوله: [وَ اللاَّتِي يَأتِينَ الفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ فَاِسْتَشهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَة مِنْكُمْ فَإنْ شَهِدُوا فَامْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجْعَل الله لهُنَّ سَبِيلًا] [1] .

انطلق السّياق التشريعيّ الأوّل في سورة النّساء منذ الآية الثانية بترتيب بعض النّواحي من المعاملات الماليّة و الاجتماعيّة بين جماعة المؤمنين كالميراث والوصايا و المناكح و غيرها، لينتهي السّياق بعد إحدى عشرة آية بتبشير اللازمين لهذه الحدود بالجنّة و العادين لها بالعذاب [2] ، ثمّ استأنف الخطاب سياقا تشريعيّا متجدّدا عند الآية الخامسة عشرة المعروضة فحكم على آتيات الفاحشة من المؤمنات بالحبس إلى أن [أَنْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلا] دون أن يحدّد لرفع العقوبة ميقاتا محدّدا، و هو ما يشير إلى عدم اكتمال هذا الحكم و احتماله للنّسخ. و لو ثبت أنّ سورة النّساء قد نزلت قبل سورة النّور فلن نستبعد إمكانيّة نسخ الجلد للحبس و الأذى.

و لقد حملنا لفظ الفاحشة في الآية على الزنا بدلالة السّياق عليه و لتحديد الخطاب للشهود بأربعة، فالشّهادة على الزنا هي الوحيدة التي تقتضي هذا القدر من الشهود كما أشارت إلى ذلك آيات القذف و الّلعان [3] . و نزعم أنّ عدول القرآن عن لفظ الزنا في التعبير عن الوطء المحرّم و استعاضته عنه بعبارة الفاحشة هو بالأساس عدول بلاغيّ أريد به تقبيح الزّنا باعتبار أنّ الفحش هو"كلّ ما يشتدّ قبحه من الذنوب و المعاصي" [4] .

و إنّ اشتراط هذا القدر من الشهود يجعل من إثبات الزنا مطلبا عزيزا إذا ما اِعتبرنا حرص النّاس على إسراره رغبة عن الانكشاف. فيرجح عندنا أنّ القرآن قد غلّظ الشّروط حتّى لا يفشو التّماشق بالفاحشة حفظا لأعراض النّاس و القيم التي يبغي إرساء الاِجتماع عليها، و حرصا على درء الحدّ ما أمكن فلا يقام إلاّ في حالات نادرة تكون عبرة للنّاس. غير أنّ القرآن لم يحدّد في هذه الآية صفة الشهود و لا جنسهم باعتبار عموم الخطاب (منكم) في الرّجال و النّساء و السّادة و المماليك.

? قوله: [وَ اللذانِ يَأتِيَانِهَا مِنْكُمْ فآذوهُمَا فإنْ تابَا وَ أصْلحَا فأعْرِضوا عَنهُمَا إنّ الله كَانَ توَّابًا رَحِيمًا] [5] .

وردت هذه الآية مرتبطة أسلوبيّا و مضمونيّا بالآية التي سبقتها: أمّا أسلوبيّا فلاِستئناف الحديث فيها على سابقه بواو الاِستئناف، و لاِشتراك الآيتين في نفس الشّكل النّحوي. و أمّا مضمونيّا فقد شرّعت هذه الآية حدّا للزّانيَيْنِ مسبوقا بحكم على الزّانيات في سابقتها.

غير أنّه لئن ورد الحكم في الآية الخامسة عشرة قاطعا (فاحْبسُوهُنَّ) و شبه محدّد (حَتى يَتوَفاهُنَّ المَوْت أوْ يَجْعَلُ الله لَهُنَّ سَبيلًا) فقد سيق في هذه الآية عامّا مطلقا باعتبار أنّ الخطاب لم يحدّد للزّانيين عقوبة محدّدة أو مقدّرة لأنّ لفظ الأذى لا يحيل على أسلوب معيّن في القصاص. غير أنّ الحكم مشروط في الآية بلزوم المحدودين للزنا، و يُرفع عنهما الإيذاء بمجرّد ظهور تباشير التوبة عليهما.

و لقد سبّب اِنتظام الآيتين في ذات السّياق غموضا و اِلتباسا في المقاصد لاِجتماعهما على خصلتين متعارضتين. أمّا الأولى فهي سَنُّ كلّ آية منهما، على تجاورهما، حكما مخصوصا في الزنا. وأمّا الثانية فهي أنّ المخاطَبَ يتبدّل بينهما، فتوجّهت الآية الأولى إلى النّساء تخصيصا بينما قدّرت الثانية المخاطَبَ بالاِسم الموصول (اللّذان) المعبّر عن الذّكرَيْن أو الذّكر والأنثى مجتمعَيْن. وإنّ صمت الخطاب عن تعيين المقصود بالعقوبة تعيينا دقيقا أمعن في تعمية معنى الآية فضلا عن الالتباس المنجرّ عن مجاورتها لسابقتها. و هو ما يجعل مسألة تحديد الحكم فيها غير متيسّرة، ناهيك عن تنفيذه في الزّناة.

غير أنّه لو تصحّ قراءة أبَيّ بن كعب للفاصلة:"وَ الّذين يفعلونه" [6] فإنّها ترفع الّلبس و تسوّي الإشكال البياني الحافّ بمضمون الآية و بعلاقتها بسابقتها فيصير حكم الآية الأولى خاصّا في

(1) - سورة النساء: 4/ 15.

(2) - انظر مثلا قوله: [تِلْكَ حُدُودُ الله و ممَنْ يُطِعِ الله و رسُولَهُ يُدْخِلْه جنّاتٍ ... ] النساء 4/ 13.

(3) - سورة النور: 24/ 4 - 6 - 13.

(4) - ابن منظور:"لسان العرب"، ج 10 ص 192.

(5) - سورة النساء: 4/ 16.

(6) - ابن أبي داوود:"المصاحف"ص 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت