الصفحة 25 من 63

فأيّ أسلوب نهجه الخطاب في هذه السورة للتعبير عن حرمة الزنا؟ و ما هو دافعه إلى تكرار النّهي عن الوطء الفاسد في الآية ذاتها؟

? قوله: [يَا أيُّهَا النَّبِيُّ إذا جَاءَكَ المُؤْمِنَات يُبَايعْنَكَ عَلَى أنْ لاَ يُشرِكْنَ باللهِ شيئًا وَ لاَ يَسْرِقنَ وَ لاَ يَزْنِينَ وَ لاَ يَقتلْنَ أوْلاَدَهُنَّ وَ لاَ يَأتِينَ ببُهْتانٍ يَفترِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وَ أرْجُلِهِنَّ وَ لاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فبَايعْهُنَّ وَ اِسْتغفِرْ لَهُنَّ اللهَ إنَّ اللهَ غفورٌ رَحِيمٌ] [1] .

اِلتفت الخطاب في هذه السّورة إلى المؤمنات المهاجرات، المعنيات في هذا المقام بالنّهي عن الزنا دون الرّجال، عند الآية العاشرة ففرض عليهنّ اِمتحانا قبل الاِلتحاق بالجماعة و نكاح رجالها. ثمّ فرض عليهنّ شروطا في السّلوك هي من أوكد ما يلحّ القرآن أبدا على إرسائه.

فحملت هذه الآية، فوق شرط التّوحيد والتّعفّف عن السّرقة والقتل لغير موجب شرعيّ، نهيَيْن عن الزنا، أمّا الأوّل فبلفظه [وَ لاَ يَزْنِينَ] وأمّا الثاّني فبالتّلويح [وَ لاَ يَأتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وَ أرْجُلِهِنَّ] .

و يسوق تكرار الخطاب للنّهي عن الزنا في الآية ذاتها محملا جديدا، فإذا كان قد ذُكِر في المقام الأوّل بلفظه كما قدّمنا فقد ذُكِر بعدُ بالكناية عنه بأحد لوازمه وهي وضعيّة اِبن الزنا المُعتبَر إلحاقه بغير أبيه بهتانا، والبهتان عند اِبن منظور هو الادعاء بالكذب"فبهت فلان فلانا إذا كذب عليه .. و قوله عزّ و جلّ (وَ لاَ يَأتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ) أي لا يأتين بولد عن مُعارضة من غير أزواجهن، فينسبنه إلى الزّوج، فإنّ ذلك بهتان و فرية" [2] . فالقرآن في هذا السّياق يلوّح إلى علّة نهيه عن الزنا كرّة أخرى. فكما نهى عنه في سورة الإسراء باِعتباره فاحشة وسبيلا سيّئا أي متعارضا مع الأخلاق لقبحه في ذاته، فإنّه يُحذر من نتائجه الاِجتماعيّة في هذا المقام.

ويمكننا أن نلاحظ في هذا المستوى من قراءة آيات الزنا تكرار القرآن لنسق دلاليّ مخصوص يتألّف من عناصر قارّة وأخرى متداولة بين الحضور و الغياب، فلا يكاد يذكر الزنا في القرآن مفصولا عن شروط العقيدة مثلا، أو عن حفظ النّفس البشريّة بالتّورع عن إزهاقها. بمعنى أنّ تعبير القرآن عن الزنا و موقفه منه لا يكاد يتغيّر بين هذه الآيات باعتبار أنّه يرد عادة ضمن الشروط العقديّة والأخلاقيّة المفروضة على الإنسان ليتبوّأ مرتبة المؤمن. و لم يتمحّض له الخطاب إلاّ في سورتي النّور و النّساء في سياقاتهما التشريعيّة المتعدّدة.

و لئن نهى القرآن عن الزنا في هذه السّياقات بلفظه فقد تحوّل إلى الكناية عنه في آيات أخرى بعبارات مختلفة. فما هي غايات الخطاب من هذا العدول؟ وهل عدل عن موقفه من الزّنا حين عدل عن وسمه؟

1 -2 - 2 / لفظ الفاحشة

يعتبر لفظ الفاحشة أشدّ استعمالات القرآن غموضا و التباسا في التعبير عن الزنا ذلك أنّ الخطاب كثيرا ما عبّر به عن المعاصي بصورة عامّة دون يقصره على الوطء الفاسد [3] ، فهو دالّ مشترك بين هذه المدلولات جميعا.

و الفاحشة هي"القبيح من القول و الفعل .. و أفحش عليه في المنطق أي قال الفحش .. فالفاحش ذو الفحش و الخنا من قول أو فعل .. و كثيرا ما ترد الفاحشة بمعنى الزنا و يسمّى الزّنا فاحشة .. و كلّ شيء جاوز قدره و حدّه فهو فاحش" [4] .

و يؤدّي عموم هذا اللفظ و تعدّد دلالاته إلى عُسر ضبط الآيات التي أريدَ بها الزنا دون غيره. و لتفادي هذه المزالق اقتصرنا على السّياقات القرآنيّة التي توفّرت فيها قرائن تؤكّد هذه الدّلالة.

(1) - سورة الممتحنة: 60/ 18.

(2) - اِبن منظور:"لسان العرب"، ج 1 ص 513.

(3) - استخدم الخطاب القرآني مشتقات جذر"فحش"في ثلاث و عشرين آية موزّعة على خمس عشرة سورة. و قد عبّرت في مجملها على عموم هذا اللفظ. انظر: محمد فؤاد عبد الباقي:"المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم"، دار الحديث، القاهرة، سنة 2001، ص 624.

(4) - ابن منظور:"لسان العرب"، ج 10 ص 192.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت