الصفحة 24 من 63

سَبِيلًا]. و لقد اِستعمل الخطاب القرآني هذه العبارة في سور أخرى للكناية عن الزنا غير أنّ العبارتين لم تجتمعا إلاّ في هذه الآية.

ومن محامل هذه الآية أنّه رغم تعدّد تعرّضات القرآن للزنا فإنّ النّهي عنه لا يبرَّر مكاشفة إلاّ فيها [1] ، وإنّ العبارات المنتقاة لذلك (الفاحشة و سوء السّبيل) لتنحو، في تصوّرنا، إلى الإفصاح عن سبب قيميّ أخلاقيّ للتّحريم يروم الإسلام إرساءه امتدادا للتوراة و الإنجيل. و لقد عبّر كولسن عن هذا المعنى معتبرا أنّ"أنّ ما يُطلق عليه التشريع القرآني إنّما يتألّف من تلك الأوامر العامّة المجملة التي أوردها القرآن لتحديد سلوك المجتمع المسلم و أهدافه. و لا يعدو أن يكون تعبيرا عن أصول الأخلاق الدّينيّة الإسلاميّة" [2] .

? قوله: [وَ الّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلاَهًا آخرَ وَ لاَ يَقتلُونَ النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلاَّ بالحَقِ وَ لاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْق أثامًا] [3] .

توسّل الخطاب في هذا السياق بأسلوب شبيه بما ورد في سورة الإسراء، فمثلما نفى فيه عن (عِبَادُ الرَّحْمَانِ) [4] أي المؤمنين صفة الزنا فقد نهاهم عن اقترافه في الإسراء. و إنّ هذه الظاهرة مطّردة في القرآن بتكرار عديد المعاني و الأوامر و النّواهي في سور مختلفة للتّأكيد على التمسّك بها إن كانت من الرّغائب و على هجرها إن كانت من الرّذائل.

و لقد بُدئ السّياق الّذي ذُكِر فيه الزنا من هذه السّورة منذ الآية الثّالثة والسّتّين في قوله: [وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَ إِذَا خّاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سلامًا] ، ثمّ شرع الخطاب في تعديد صفاتهم مقدّرا ذكرهم على رأس كلّ آية بالاِسم الموصول"الّذين"حتّى بلغ آية الزنا بعد عرض أربع صفا ت لهم، فوردت معظمها على نموذج الآية الثّالثة والسّتّين المذكورة.

وإنّ ما ورد في هذه الآيات يُعدّ من أهمّ شروط الإيمان عند المسلمين، وأوّلها التّوحيد في قوله: [وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلَهًا آخَرَ] ، وثانيها التّورّع عن قتل النّفس وآخرها الزنا الّذي قد يفهم من تأخّره أنّه أيسر هذه الخطايا. وقد اِعتبر كمال الدّين المرسي، و هو يفسّر الآية، أنّ القرآن:"جعل من صفات المؤمنين وأخلاقهم .. بعد أن تحقّق فيهم شرط الإيمان بالله واِجتنابهم القتل، أنّهم لا يزنون" [5] .

ولقد سُنّت لأهل هذه الخطايا عقوبة واحدة مؤجّلة إلى يوم القيامة [6] وهي أن"يَلْقَى أثامًا" [7] أي عقوبة غير محدّدة، قال كولسن:"لم يكن الهدف الأوّل للقرآن هو تنظيم علاقة الإنسان بالإنسان بقدر ... ما كان هدفه تنظيم علاقة الإنسان بخالقه" [8] .

بيد أنّ اشتمال القرآن على حدّ الزّنا في سورتي النّور و النّساء خاصّة يرجّح إمكانيّة نزول سورة الفرقان في المرحلة المكّيّة التي تعذر على الجماعة المؤمنة ممارسة شريعتها خلالها باعتبار أنّ السّيادة في أمّ القرى كانت لوجهاء قريش المعادين للدّعوة، فاقتصر الخطاب فيها على ذكر العقوبة الغيبيّة للزّناة و لمّا انتقل الرّسول إلى يثرب و فوّضه أهلها للقضاء بينهم تنزلت الحدود.

و لقد تفرّدت هذه الآية عن سابقتها من سورة"الإسراء"و لاحقتها من سورة"الممتحنة"بهذا الحكم الغيبي على الزّناة، بينما اكتفى الخطاب، كما رأينا في الآية الآنفة، بالنّهي عن الزنا. ثمّ عدّ التعفف عنه ركنا من أركان الانخراط في الجماعة المؤمنة كما سيأتي في"الممتحنة".

(1) - نشير إلى أنّ القرآن لمّح إلى علّة النّهي عن الزّنى في سورة الممتحنة كما سيأتي.

(2) - كولسن:"في تاريخ التشريع الإسلامي"، ص 29.

(3) - سورة الفرقان: 25/ 68.

(4) - سورة الفرقان: 25/ 63.

(5) - كمال الدّين عبد الغنيّ المرسي:"الحدود الشّرعيّة في الدّين الإسلامي"، دار المعارف الجامعيّة، القاهرة، سنة 1999، ص 53.

(6) - سورة"الفرقان: 25/ 69."

(7) - اُنظر معنى الإثم عند اِبن منظور"لسان العرب"، ج 1 ص ص 74 - 75. غير أنّ اِبن الزّبير قد أقرأ الفاصلة"أيّامًا". اِبن أبي داود السّجستاني:"المصاحف"، المطبعة الرّحمانيّة بمصر- الطّبعة الأولى لسنة 1936. ص 67.

(8) - اُنظر: كولسن:"في تاريخ التّشريع الإسلامي"، ص 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت