الصفحة 9 من 53

هذا الحديث الصلوات الشرعية؛ كالفرائض والجنازة والعيدين والكسوفين والوتر، وغيرها مما يُعرف شرعًا باسم الصلاة إذا أُطلق.

فلا بد ـــ قبل إجراء العموم ـــ من تحديد مقصد الشارع من اللفظ هل يريد به الحقيقة اللغوية أو الشرعية أو العرفية؟ فإذا ثبتت إحدى هذه الحقائق لتعيين المراد باللفظ كان العموم منتظمًا لأفراد هذه الحقيقة المعيَّنة دون سواها من الحقائق [1] .

وفي مسألتنا هذه إذا كانت الحقيقة المعتبرة في لفظ السفر هي الحقيقة العرفية على الصحيح، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين أثابه الله [2] ؛ فإن دعوى العموم لا تصح إلا فيما كان سفرًا عرفًا فقط. وما دام أن حالات نزول المغتربين وأمثالهم ـــ ممن يقيد إقامته بوقت أو عمل في حالٍ من الاستقرار في سكن المثل في مدة طويلة ـــ لا تُعدُّ في العرف من السفر لا حقيقة ولا حكمًا فإن دعوى عموم لفظي السفر والضرب في الأرض لأحوالهم غير مسلمة، وهذا هو المطلوب في هذا الجواب.

حول علة الترخص في الحديثين:

ذكر شيخنا العلامة ابن عثيمين أثابه الله أن علة الترخص هي إرادة النازل مدة معينة أو إنجاز غرض محدد؛ لكون الوصف الأول ـــ وهو إرادة المدة ـــ موجودًا في مقامه - صلى الله عليه وسلم - في مكة عام حجة الوداع، وكون الثاني ـــ وهو النزول لأجل الغرض ـــ موجودًا في إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة عام الفتح، وكذلك في تبوك.

وهذا استخراج للعلة بـ"مسلك الطرد"، حيث يقول المستدل: إن الحكم وُجِد عند وجود هذا الوصف، وهو تقييد الإقامة بزمن، أو نهاية عمل؛ فيكون هذان الوصفان علةَ الرخصة؛ فمتى وُجدا في محل النزاع ثبت الترخص.

والصحيح أن مسلك الطرد هذا غيرُ معتبر في استنباط العلة [3] .

ولو صح اعتبارُ كلِ وصف مقارن مطرد دون سبرٍ صحيح وتنقيحٍ معتبر، ودون بيانٍ لدليل تأثير ذلك الوصف للزم من ذلك اعتبارُ أوصافٍ أخرى في أسفاره - صلى الله عليه وسلم - ككونه لم يؤبِّد إقامته في منازله تلك، أو كونه في رفقة، أو كون السفرِ بِرُمَّته طاعةً أو طويلًا، وغيرها من الأوصاف التي لم تدل الشريعة أو العقل على اعتبارها مؤثرة في حكم الرخصة.

ووصف إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك لا يختلف عن هذه الأوصاف المذكورة؛ فهي أوصاف طردية لا يصح أن يُعتبر منها وصف؛ لأن الشريعة لم تعتبر شيئًا منها مؤثرًا في الحكم لا بالنص ولا بالاستنباط.

(1) وانظر كلام الإمام الشاطبي في كتابه"الموافقات" (4/ 18 فما بعدها إلى 27) من أن جريان العموم إنما يكون بحسب مقصد الشارع في حقيقة اللفظ من شرعية أو لغوية أو استعمالية.

(2) انظر"مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ ابن عثيمين" (15/ 316) .

(3) وهو قول جمهور الفقهاء، وانظر"البرهان"لأبي المعالي الجويني (2/ 518) و"التبصرة"للشيرازي (1/ 460) و"المستصفى"للغزالي (1/ 315) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت