الصفحة 10 من 53

قال ابن تيمية:"ومن علَّل بوصف فعليه أن يبين تأثير ذلك الوصف، إما لكون الشرع جعل مثله مقتضيًا للحكم، وإما لمناسبة تقتضي ترتيب الحكم على الوصف؛ فإن لم يظهر التأثير لا شرعيًا ولا عقليًا كان الوصف طرديًا عديم التأثير" [1] .

وقال الغزالي في الأوصاف الطردية المقرونة بالحكم قال:"... فإن قيل: ثبوت حكمها معها، واقترانه بها دليل على كونها علة، قلنا: غلطتم في قولكم: ثبوت حكمها؛ لأن هذه إضافة للحكم لا تثبت إلا بعد قيام الدليل على كونها علة؛ فإذا لم تثبت لم يكن حكمَها ... والاقترانُ لا يدل على الإضافة؛ فقد يلزم الخمرَ لونٌ وطعمٌ يقترن به التحريم، ويطرد وينعكس ... واقترانه بما ليس بعلة كاقتران الأحكام بطلوع كوكب وهبوب ريح ... وبالجملة فنصب العلة مذهب يفتقر إلى دليل؛ كوضع الحكم، ولا يكفي في إثبات الحكم أنه لا نقض عليه، ولا مفسد له، بل لا بد من دليل؛ فكذلك العلة" [2] .

فإن قيل: إن هذا الوصف ليس مُطَّردًا فقط، بل هو منعكس أيضًا؛ فقد وُجِد الحكم وهو الترخص عند وجود هذا الوصف؛ وذلك في أحوال نزول النبي - صلى الله عليه وسلم - أثناء سفره، وانتفى حكم الترخص عند انتفاء هذا الوصف؛ وذلك حين نزل المدينة ولم يقيد إقامته بوقت أو عمل، ومذهب الجمهور على صحة التعليل بالدوران، وهو دوران الحكم مع العلة وجودًا وعدمًا؟!.

فالجواب: أن القائلين بالدوران يشترطون لصحة التعليل به"انتفاء المزاحم"، والمتأمل في الأوصاف التي وُجدت في أسفار النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي نزوله أثناءها يرى أنها كثيرة متزاحمة:

فمن هذه الأوصاف الاستيطان؛ فقد ترخص النبي - صلى الله عليه وسلم - حين لم يؤبد إقامته، وترك الرخصة حين صار مستوطنًا.

ومنها: الوصف العرفي للإقامة؛ فقد ترخص حين لم يكن مقيمًا عرفًا في مسيره ونزوله، وترك ذلك في المدينة حين كان في إقامة عرفية.

ومنها: أنه ترخص حين كان نازلًا لحج وعمرة وجهاد، وترك ذلك في المدينة حين كان نزوله لمجرد السكنى.

فهذه الأوصاف كلها مطردة منعكسة فأيها نعتبر؟ فلا بد ـــ إذًا ـــ لبناء الحكم على أحد هذه الأوصاف دون البقية من دليل أو مناسبة معتبرة يتعين بها أحد الأوصاف دون الآخر.

قال ابن تيمية:"القياس إنما يصح .. إذا سبرنا أوصاف الأصل فلم يكن فيها ما يصلح للعلة إلا الوصف المعين، وحيث أثبتنا علة الأصل بالمناسبة أو الدوران أو الشبه المطرد ـــ عند من يقول به ـــ فلا بد من السبر؛ فإذا كان في الأصل وصفان مناسبان لم يجز أن [يقول] الحكم بهذا دون هذا .." [3] .

(1) "تفسير آيات أشكلت"لابن تيمية (2/ 647) .

(2) "المستصفى"للغزالي (2/ 315) .

(3) "مجموع الفتاوى"لابن تيمية (25/ 244) ، ولعل صحة ما بين المعقوفين: (يُعلَّق الحكم .. الخ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت