إلى أن قال في تتمة هذا الكلام:".. فإذا كانت هذه المعاني وغيرها موجودة في الأصل فدعواهم أن الشارع علَّق الحكم بما ذكروه من الأوصاف معارَض بهذه الأوصاف، والمعارضة تبطل كل نوع من الأقيسة، إن لم يتبين أن الوصف الذي ادعوه هو العلة دون هذا" [1] .
حول الاستدلال بآثار الصحابة والتابعين:
وأما ما جاء عن بعض الصحابة والتابعين من أنهم أقاموا مددًا طويلة يقصرون الصلاة، وأن في هذا دلالة على صحة هذا القول.
فالجواب عن ذلك هو: أن هذه الأخبار لم تتضمن أي دلالة على أن الصحابة والتابعين اعتبروا الغرض والوقت حدًا بين حالي المقيم والمسافر؛ فلا حجة فيها لعدم الملاقاة.
ويقال من وجه آخر: بأنه لم يأت في هذه الأخبار ما يدل على أنهم نووا هذه المدة عند النزول، وغاية الأمر أنهم أخبروا بمكثها بعد قفولهم؛ فلا حجة فيها على قصد المدة الطويلة؛ فإن من ينتظر فراغ حاجته كل عشرة أيام أو عشرين أو ثلاثين مثلًا يُعتبر مسافرًا عند الناس، وقد يبقى على هذه الحال سنة؛ فيُخْبِرُ عند قفوله أنه مكثها، ولكن ذلك لا يعني أنه نوى هذه المدة كلها عند نزوله، وهذا في أحوال المسافرين كثير؛ فلا يلزم من اجتماع المدة الكثيرة أن صاحبها قد نواها عند نزوله.
ومن وجه ثالث يقال: إن القائل بضابط الاستيطان يستدل أيضًا من هذه الأخبار بطول المدة، دون أن تظهر وجه حجيته لكل منهما، والبرهان الواحد في الشريعة لا يصحح أمرين مختلفين.
فلا بد من البحث عن سبب آخر لترخص الصحابة والتابعين هذه المدد الطويلة غير هذين السببين؛ وذلك لعدم صلاحهما لبناء حكم الرخصة.
ومما يَرِدُ على هذا القول أن مثل حالات المغتربين كانت تقع في المدينة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد الصحابة - رضي الله عنهم -، وهي مما يكثر وتعم بها البلوى، وتتوفر الدواعي والهمم على نقلها، لاسيما أنها خلاف المعهود، والمعهود هو أن المقيم المطمئن بسكن وتأهل في مدة طويلة لا يترخص.
وبعيد أن تقع مثل هذه الصور من الترخص المخالفة للمعهود ثم لا تجد من يسأل عنها، ولا من ينكرها من الصحابة والتابعين، لاسيما أنهم كانوا يقولون بانقطاع الرخصة فيما هو أقل من هذه الأحوال بكثير؛ فلما لم يكن ذلك دل على أنهم لم يكونوا يترخصون في مثل هذه الأحوال، وهم أحرص الناس على الأخذ بالرخصة، لاسيما في الصلاة.
(1) المرجع السابق (25/ 245، 246) .