الصفحة 12 من 53

القول السادس: أن للمرء الترخص برخص السفر حتى يرجع إلى وطنه. حكاه الحافظ ابن عبد البر ولم يسمِّ قائله [1] .

والاستيطان في اللغة هو الإقامة، والموطن كل مقام قام به الإنسان لأمر فهو موطن له [2] . وعرَّفه الفقهاء بأنه نية الإقامة على التأبيد [3] .

والقائلون بهذا القول يستدلون بالآثار المذكورة في أدلة القول الخامس.

ولعل وجه هذا الدليل أنهم ترخصوا لأنهم كانوا على نية الرحيل، أو لم يكونوا مستوطنين، وأنهم تركوا الرخصة حين كانوا في أوطانهم.

وهذا استدلالٌ بمسلك الطرد أو الدوران؛ فأما الأول فباطل عند جماهير الأصوليين، لما تقدم قريبًا، وأما المسلك الثاني فمن شرط صحته عند القائلين به انتفاءُ المزاحم، والأوصاف المزاحمة لوصف الاستيطان موجودة متساوية؛ فلا اعتبار لأحدها دون الآخر إلا بدليل.

كما يرد على هذا القول الإيراد المذكور في الصحيفة السابقة.

أسباب الخلاف وآثاره والترجيح

أسباب الخلاف:

من عرض أدلة الأقوال ظهر أن خلاف العلماء يعود للأسباب الآتية:

1.دلالة حديث إقامة المهاجر على التحديد بأربعة أيام.

2.اعتبار حد الرخصة هو المدة التي قصر فيها - صلى الله عليه وسلم - نازلًا مع علمنا بوقت ارتحاله، وكان ذلك في نزوله مكة للحج مدة أربعة أيام.

3.اعتبار الآثار الواردة عن بعض الصحابة في ذلك في حكم الرفع.

4.اعتبار أكثر مدة قصر فيها - صلى الله عليه وسلم - نازلًا، وهي عشرون يومًا في تبوك.

5.اعتبار العرف لضبط الإقامة؛ لعدم الشرعي واللغوي.

6.أن سبب الرخصة هو تقييد النبي - صلى الله عليه وسلم - نزوله بنهاية وقت أو عمل.

7.أن سببها هو عزم الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الرحيل، أو عدم نية الاستيطان.

8.طول مدة المكث التي كان يترخص فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعون.

ويُلحظ هنا أن هذه الأسباب ـــ عدا الخامس ـــ قد جعلت المعتبر في حد الإقامة هو الحقيقة الشرعية؛ كما هو ظاهر من استنباطات أصحابها.

آثار الخلاف:

تظهر آثار الخلاف والفرق بين كل قول وآخر فيما يلي:

1.أن القائلين بالتحديد بمدة سواء كانت أربعة أيام أو سواها يرون أن من نوى إقامة تلك المدة وجب عليه أن يقطع الترخص؛ فعند المالكية مثلًا من نوى إقامة أربعة أيام أتم، ومن نوى أقل منها ترخص.

(1) انظر"التمهيد" (11/ 183) .

(2) انظر"لسان العرب" (13/ 451) ، و"المغرب" (2/ 361) .

(3) انظر"حاشية الدسوقي" (1/ 373) و"كشاف القناع" (2/ 27) و"مغني المحتاج" (1/ 282) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت