الصفحة 7 من 53

القول الخامس: أن من قيَّد إقامته بانتهاء عمل أو زمن فهو مسافر. وهذا هو قول العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين أثابه الله [1] .

وبناء على ذلك فهو يرى أنه لا أثر للتأهل في ثبوت وصف الإقامة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اصطحب زوجاته في أسفاره، ومع ذلك ترخص، ولا أثر عنده لاتخاذ البيوت؛ لأنهم إنما يشترونها لسكناها إلى انتهاء غرضهم فقط؛ كما أنه لا يَعتبرُ أثرًا لمدة المكث لعدم الفرق بين المدد في الشريعة [2] .

ولذلك أفتى المغتربين من الطلبة والعمال الذين يقيدون نزولهم بنهاية وقت أو عمل بأنهم مسافرون، ولو علموا طول الإقامة.

وقد استدل أثابه الله لذلك من الكتاب بقول الله تعالى:"وَإِذَا ضَرَبْتُمْ في الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ"الآية.

ووجه هذا الدليل: أن الله أطلق الضرب في الأرض وعمَّم في وقته، والضرب في الأرض هو السفر فيها، والله تعالى يعلم أن من الضاربين في الأرض التاجر والمجاهد، وأنهما يحتاجان إلى نزول مدة، ولم يستثن الله عز وجل ضاربًا من ضارب ولا حالًا من حال؛ فكل نزولٍ للمسافر مشمولٌ بهذا العموم؛ فيكون صاحبه مستحقًا للرخصة، ولا يُستثنى من ذلك إلا المستوطن، ومن نوى إقامة مطلقة [3] .

ومن السنة: استدل أثابه الله بإقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة للحج [4] ثم قال:"ووجه الدلالة منه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام إقامة لغرض الحج مقيدة بزمن معين، وقد نواها من قبل بلا ريب، ومع ذلك بقي يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة؛ فدل ذلك على أن الإقامة لغرض معين متى انتهى منه رجع إلى"

وطنه لا ينقطع بها حكمُ السفر ...."اهـ [5] ."

واستدل من السنة كذلك: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام في مكة عام الفتح وفي غزوة تبوك، وأنه:"... قصر لأن العلة في الإقامتين واحدة وهي انتظار انتهاء ما أقام من أجله"اهـ [6] .

ومن آثار الصحابة والتابعين: استدل أثابه الله بأن بعض الصحابة رضي الله عنهم أقاموا بِرَامَهُرْمُز تسعة أشهر يقصرون الصلاة [7] .

(1) انظر"مجموع فتاوى فضيلة الشيخ ابن عثيمين" (15/ 288) جمع الشيخ فهد السليمان. وقد لقي قول شيخنا العلامة محمد ابن عثيمين أثابه الله هذا انتشارًا كبيرًا، على قدر ما له من قبول عظيم عند الناس، ولم يُعز هذا القبول إلا إلى تجرد الشيخ للحق، وتعظيم النصوص، ومنهجه المتميز في تحري الدليل ونبذ التقليد المذموم، فلم يكن عنده للمذهب أو الأستاذ أو المكان أو ما جرت به العادة مخالفًا للدليل تأثير في اختياراته، بارك الله في عمله ونفعنا بعلومه وجزاه عن الأمة خير الجزاء.

(2) انظر المرجع السابق (15/ 300، 301، 302) .

(3) انظر المرجع السابق (15/ 294) .

(4) لحديث ابن عباس في"صحيح البخاري" (3/ 422 فتح) ، وحديث أنس فيه أيضا (3/ 507) .

(5) "مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ ابن عثيمين" (15/ 296) .

(6) المرجع السابق (15/ 306، 307) ، وانظر (15/ 335) من المرجع نفسه.

(7) رواه البيهقي في"السنن الكبرى" (3/ 152) من قول أنس - رضي الله عنه -، وصححه النووي كما في"نصب الراية" (2/ 186) ، وضعفه الألباني في"إرواء الغليل" (3/ 27) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت