الصفحة 6 من 53

واستدلوا لذلك بقول ابن عباس رضي الله عنهما:"إذا قدمت بلدة وأنت مسافر، وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يومًا أكمل الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصرها" [1] .

ووجه الاستدلال بهذا الأثر: أن هذا لا يقال إلا عن توقيف [2] .

وقد أجيب عن هذا الاستدلال بأنه غير مسلَّم لوجهين:

الأول: أن للرأي فيه مجالًا؛ فلا يُعطى حكم الرفع.

الثاني: أنه قد صحَّ عنهما ما يعارض هذا القول [3] .

ويَرِدُ على هذا التحديد أيضًا ما أُورد على أدلة القول الأول.

القول الثالث: أن حد ذلك في قصر الصلاة هو مكث النازل عشرين يومًا. وهو قول ابن حزم [4] .

واستدل لذلك بقصر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة في تبوك عشرين يومًا [5] .

ووجهه: أن أكثر مدة نزلها - صلى الله عليه وسلم - وهو يقصر الصلاة هي ما ورد في هذه الغزوة؛ فخرج هذا المقدار من الإقامة عن سائر الأوقات بهذا الخبر [6] .

ويَرِدُ على هذا القول ودليله ما ورد على أدلة القول الأول.

القول الرابع: أن المعتبر في تحديد الإقامة هنا هو العُرْف. فمن سمَّاه الناس مسافرًا فهو مسافر له الأخذ برخص السفر، ومن سمَّوه مقيمًا فهو مقيم لا رخصة له.

وهذا هو قول الإمام بن تيمية، وسيأتي تحرير قوله في آخر الرسالة، وهو قول العلامة عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب [7] . وعليه تُحمل طريقة السلف، حيث يصح عن الصحابي الواحد أقوال متعددة.

واعتبار العرف في تحديد الإقامة في أسبابها ـــ عدا المدة ـــ هو طريقة أكثر الفقهاء؛ بل إن المدة نفسها تخضع عندهم لبعض الأسباب العرفية، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.

ودليل هذا القول هو قاعدة الأسماء المطلقة في الشريعة، وهي: كل اسم ليس له حد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف [8] .

(1) و بمثله عن ابن عمر، انظر"نصب الراية"للزيلعي (2/ 183) ، وقال: أخرجه الطحاوي عنهما.

(2) انظر"تبيين الحقائق"للزيلعي (1/ 212) و"بدائع الصنائع"للكاساني (1/ 97) .

(3) فقد صح عن ابن عباس أنه حددها بتسعة عشر يومًا كما رواه البخاري في"صحيحه" (2/ 561) ، وصح عن ابن عمر أنه حددها باثني عشر يومًا، رواه مالك في"الموطأ" (312) بسند صحيح.

(4) انظر"المحلى"لابن حزم (3/ 216) .

(5) رواه أحمد في"المسند" (3/ 295) وأبو داود في"السنن" (1235) ، وهو صحيح.

(6) انظر"المحلى" (3/ 220) .

(7) انظر"الدرر السنية" (3/ 209) .

(8) وانظر"مجموع الفتاوى"لابن تيمية (24/ 18، 36، 40، 135، 136، 137) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت