الصفحة 5 من 53

الثاني: أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقل لأصحابه الذين رافقوه في حجته: إنه قصر الصلاة لأنه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام، وبيان هذا من أهم المهمات، أفاده العلامة ابن القيم رحمه الله [1] .

الثالث: أنه لم يقل لمن جاء للحج قبله بيومٍ أو أ كثر، أو جاء معه ونوى التأخر بعده إلى صبيحة عرفة لم يقل له: ليس لك الترخص؛ لانقطاع إقامتك بنية المكث أكثر من أربعة أيام، رغم كثرتهم وتواردهم من الأقطار لشهود حجته - صلى الله عليه وسلم - وحاجتهم العظيمة للتعلم والفقه في الدين، وحرصه العظيم على بيان الدين، مع علمه بدنو أجله.

قال ابن تيمية عن قصر النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع:"... لكن من أين لهم أنه لو قدم صبح ثالثة وثانية كان يتم، ويأمر أصحابه بالإتمام؟ ليس في قوله وعمله ما يدل على ذلك" [2] .

الرابع: قال ابن تيمية:"معلوم بالعادة أن ما كان يُفعل بمكة وتبوك لم يكن ينقضي في ثلاثة أيام ولا أربعة حتى يقال: إنه كان يقول: اليوم أسافر غدًا أسافر، بل فَتَحَ مكةَ وأهلُها وما حولها كفار محاربون له، وهي أعظم مدينة فتحها، وبفتحها ذلت الأعداء، وأسلمت العرب، وسرّى السرايا إلى النواحي ينتظر قدومهم، ومثل هذه الأمور مما يُعلم أنها لا تنقضي في أربعة أيام" [3] .

الخامس: أن تحديد الإقامة التي تنتهي بها أحكام السفر مسألة عامة يحتاجها جميع الناس في جميع الأمكنة والأزمنة، أما تحديد إقامة المهاجر في حديث العلاء هذا فهو خاص بالمهاجرين، في خصوص زمان معين هو وقت حياتهم، في خصوص مكان معين هو مكة؛ فهل يُظن أن تُعنى الشريعة بتحديد هذا مع خصوصه في الزمان والمكان والأشخاص، وتدع بيان حد الإقامة مع عمومه لهذه الأحوال؟.

السادس: دل حديث العلاء - رضي الله عنه - هذا على أنه ليس للمهاجر أن يقيم في مكة بعد قضاء نسكه أكثر من ثلاثة أيام، أي أن من زاد على الثلاثة من المهاجرين عُدَّ مخالفًا للأمر، بيد أن بعض الفقهاء الذين استدلوا به لتصحيح هذا القول جعلوا نهاية الرخصة أربعة أيام؛ فعليه لا مطابقة بين الدليل والمدلول عليه.

قال ابن تيمية في هذا المعنى:"وقد رخَّص النبي - صلى الله عليه وسلم - للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا، والقصر في هذا جائز عند الجماعة، وقد سمَّاه إقامة، ورخَّص للمهاجر أن يقيمها؛ فلو أراد المهاجر أن يقيم أكثر من ذلك بعد قضاء النسك لم يكن له ذلك، وليس في هذا ما يدل على أن هذه المدة فرقُ ما بين المسافر والمقيم ... فعُلم أن هذا التحديد لا يتعلق بالقصر، ولا بتحديد السفر"اهـ [4] .

القول الثاني: أن هذا الحد هو خمسة عشر يومًا. وهذا هو مذهب الحنفية [5] .

(1) انظر"زاد المعاد"لابن القيم (3/ 564) .

(2) "مجموع الفتاوى"لابن تيمية (24/ 138) .

(3) المرجع السابق (24/ 136، 137) .

(4) "مجموع الفتاوى"لابن تيمية (24/ 140) .

(5) انظر"بدائع الصنائع"للكاساني (1/ 97) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت