الصفحة 4 من 53

وقد استدل بعضهم لذلك بحديث العلاء بن الحضرمي - رضي الله عنه - قال: قال - صلى الله عليه وسلم:"يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا" [1] .

ووجهه: أن الثلاثة تدل على بقاء حكم السفر بخلاف الأربعة [2] .

واستدل بعضهم بنزوله - صلى الله عليه وسلم - مكة للحج من اليوم الرابع من ذي الحجة حتى اليوم الثامن؛ فبلغت إقامتُه هناك ـــ وهو يترخص ـــ أربعةَ أيام [3] .

ووجهه: أن هذه الأيام الأربعة هي أكثر مدة قصر فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - نازلًا مع علمنا بوقت مكثه في ذلك المكان؛ وذلك لأنه لن يخرج إلا في اليوم الثامن؛ فمشروعية القصر مستيقنة لمن نوى المكث دون هذه المدة، وما زاد عليها فمشكوك في مشروعيته؛ فنرجع فيما زاد إلى أصل الإتمام عند نزول الأمصار وترك النقلة. وحملوا ما زاد على ذلك في بقية الأخبار على حال من يقول: اليوم أسافر .. غدًا أسافر، أو على احتمال انقضائها في أقل من أربعة.

وقد أُجيب عن أدلة هذا القول بأوجه منها:

الأول: أن أقصى مدة نزلها - صلى الله عليه وسلم - يقصر الصلاة لو كانت حدًا فاصلًا بين السفر والإقامة لبينها أوضح بيان شأنها شأن بقية الأحكام الشرعية المحدودة بعدد من الأيام؛ كمدة المسح على الخفين للمقيم والمسافر، وعدة الآيسة والصغيرة والمتوفى عنها زوجها، ومدة التربص في الإيلاء، وعدد أيام الصيام في الكفارات الشرعية؛ كالقتل والظهار والجماع في نهار رمضان وفدية الأذى للمحرم وكفارة اليمين، هذه في الأيام.

أما غير الأيام من الأعداد في مقادير الأحكام الأخرى فأكثر من أن تحصى، وذلك كمقدار صدقة الفطر، وأنصباء الأموال الزكوية، ومقدار الواجب في هذه الأنصباء، وبيان مقدار حولها، وغيرها كثير؛ فما من أمر يكون العدد فيه مقصودًا إلا بُيِّن بأوضح كلام وأجلى عبارة.

وهذه الأحكام التي بُيِّنت أعدادها لا يُحتاج إليها كحاجة حد الإقامة، بل كثير منها لا يحتاجه المرء في حياته إلا مرة واحدة، وبعضها قد لا يحتاج إليها مطلقًا، ومع ذلك كان لها هذا الحظ من البيان.

فلما لم تبين الشريعة مدة الإقامة التي تنتهي بها أحكام السفر مع قرب مأخذها، وسهولة بيانها، وعظم الحاجة إليها دلَّ ذلك كله على أن أعداد الأيام في ضبط الإقامة ـــ حدًا مشتركًا لجميع الناس ـــ غير مرادة، وأن سبيل ضبط ذلك هو شيء غيرُ الأيام؛ فليُرجع فيه إلى أدلة الشريعة ليُستجلى، ويُضبط به ما اختلف فيه الناس.

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في معرض نقضه على من قال بتحديد الإقامة بأربعة أيام قال:"ولو كان هذا حدًا فاصلًا بين المقيم والمسافر لبينه للمسلمين"اهـ [4] .

(1) رواه مسلم في"صحيحه" (2/ 985) .

(2) انظر"روض الطالب"لأبي يحيى الأنصاري (1/ 236 متن"أسنى المطالب"للسيوطي) .

(3) لحديث ابن عباس في"صحيح البخاري" (3/ 422 فتح) وحديث أنس فيه أيضا (3/ 507) .

(4) "مجموع الفتاوى"لابن تيمية (24/ 138) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت