وقال:"... وقد يركب الرجل فرسًا يخرج به لكشف أمر، وتكون المسافة أميالًا ويرجع في ساعة أو ساعتين، ولا يُسمى مسافرًا، وقد يكون غيره في مثل تلك المسافة مسافرًا، بأن يسير على الإبل والأقدام" [1] .
السبب الثالث: مسافة السفر ونية قطعها.
لا يكون الشخص مسافرًا إلا بوجود مسافة السفر مع نية قطعها، وهذا وصف رئيس من أوصاف السفر عند الناس؛ فأول ما يتبادر إليهم عند ذكر السفر هو طول المسافة؛ فتراهم عند طولها يقولون: إن هذا سفر.
وأهل اللغة يُعَرِّفون السفر بأنه"قطع المسافة" [2] .
وإذا أردت تصور تأثير المسافة في السفر العرفي فانظر هذا في شخصين كل منهما جاوز بنيان بلده سائرًا؛ فأحدهما أراد قطع مسافة ألف كيل، والآخر أراد قطع خمسة عشر كيلًا، وكل منهما يرجع من مسيره هذا إلى بلده دون تزود أو مبيت؛ فالناس يقطعون في صاحب الألف كيل بأنه مسافر، وأن الآخر غيرُ مسافر؛ فلم يُفرِّقِ الناسُ بين الحالين إلا بالمسافة.
وكان كثير من السلف يَعتبرون طول المسافة دون جعلها حدًا مشتركًا؛ فعن معاذ وعقبة بن عامر وابن مسعود قالوا:"لا تغرنكم مواشيكم يطأ أحدكم بماشيته أحداب الجبال، أو بطون الأودية، وتزعمون بأنكم سَفْرٌ، لا ولا كرامة، إنما التقصير في السفر البات من الأفق إلى الأفق" [3] .
وقيل لإبراهيم: أتُقْصَرُ الصلاة إلى المدائن؟ قال: إن المدائن قريب، ولكن إلى الأهواز، ونحوها [4] .
وتقدير أدنى المسافة المعتبرة لقيام وصف السفر، وكذلك الشاسع منها هو من المسائل العرفية التي تختلف باختلاف الأحوال.
وأدنى مسافة السفر قد لا تستقل بقيام وصفه؛ فقد تحتاج هذه المسافة القليلة إلى أوصاف أخرى؛ كنوع المراكب في ذلك الزمان أو المكان، وكذلك وعورة الطريق والتزود والمبيت والانقطاع والغيبة.
وقد قرر ابن تيمية أن المسافة ليست سبب السفر الوحيد بل لا بد من مبيت وتزود أو أحدهما؛ كالبريد إذا ذهب بلا تزود ورجع من يومه من غير نزول؛ فلا يُسمى مسافرًا، وغيره في تلك المسافة قد يُسمى مسافرًا [5] .
وقال رحمه الله في موضع آخر:"... فالمسافة القريبة في المدة الطويلة تكون سفرًا، والمسافة البعيدة في المدة القليلة لا تكون سفرًا"اهـ [6] .
(1) المرجع السابق (24/ 42) .
(2) انظر"القاموس المحيط" (2/ 51) .
(3) رواه ابن أبي شيبة في"المصنف" (2/ 336) .
(4) المرجع السابق (2/ 232) .
(5) انظر"مجموع الفتاوى"لابن تيمية (19/ 243) ، وعلى ذلك يُحمل ما صح في بعض الآثار من الترخص في ثمانية عشر ميلًا وثلاثة فراسخ وثلاثة أميال. انظر"المصنف"لابن أبي شيبة (2/ 332) .
(6) "مجموع الفتاوى"لابن تيمية (24/ 135) .