وقال:"... وكلام الصحابة ... يدل على أنهم لم يجعلوا قطع مسافة محدودة، أو زمان محدود: يشترك فيه جميع الناس، بل كانوا يجيبون بحسب حال السائل؛ فمن رأوه مسافرًا أثبتوا له حكم السفر، وإلا فلا"اهـ [1] .
ترخص من لا نية له أو كانت نيته مترددة:
ومن شَخَص عن بلده ولا نية له في مسافة السفر العرفي فهو مقيم لا رخصة له؛ كالهائم ومتتبع الكلأ ومن خرج لرد ضالة، إلا أن يبلغ مكانًا يكون رجوعه منه إلى بلده سفرًا عرفًا؛ فحينئذ يُشرع له الترخص [2] .
ومن علَّق سفره بلحاق القافلة بضاحية البلد؛ فإن حصل له ذلك سافر وإلا أقام، ولم يغلب على ظنه حصول مراده فهو باق على حكم الإقامة؛ وذلك لعدم النية العازمة على السفر [3] .
ونظير هذا في الوقت الحاضر ما يُسمى"بحجز الانتظار"، و"الحجز المؤكد"في الطائرات والقطارات والسفن:
فإذا كان المطار خارج بنيان البلدة أو في بلدة أخرى، ولم تكن مسافته سفرًا، وكان الحجز مؤكدًا، أي يغلب على ظنه أن يسافر فهو في المطار وفي الطريق إليه مسافر، وإن كان غير مؤكد، وهو ما يُسمى بالانتظار فلا رخصة له؛ لأن الأصل بقاء الإقامة فلا نخرج منها إلا بيقين أو غلبة ظن.
وهل نية السفر للذي تجب عليه طاعة متبوعه معلقة بنية ذلك المتبوع؛ كالزوجة مع زوجها والجندي ذي الرزق مع قائده والرقيق مع سيده والابن مع أبيه ونحوهم؟ فإذا ترخص ترخصوا؟ فيها قولان مشهوران لأهل العلم، أصحهما عدم مشروعية الترخص لهؤلاء؛ لأن طاعة البشر لا يصح أن تكون سببًا لاستباحة الرخصة بمجرد التبعية؛ فالأصل إذًا هو أن على هؤلاء الأخذ بالعزيمة حتى يثبت عندهم سبب الرخصة، ولا تكفي رؤيتهم متبوعهم يترخص، ولا بأس هنا بالعمل بالأمارات وقرائن الأحوال.
وسؤالُ التابعِ متبوعَه عن مقصده لا ينافي كمال الطاعة والتعظيم.
إذا طالت المسافة فصاحبها مسافر ولو عاد من يومه دون مبيت:
ومن قطع مسافة شاسعة كمائة كيل ونحوها فهو مسافر وإن رجع من يومه؛ وذلك لأن أهل العرف يرونه كذلك.
وقد صحَّ عن علي - رضي الله عنه - أنه خرج إلى"النخيلة"؛ فصلى بها الظهر والعصر ركعتين ثم رجع من يومه؛ فقال: أردت أن أعلمكم سنة نبيكم [4] . فقد ترخص رغم أنه رجع من يومه.
(1) المرجع السابق (24/ 123، 135) .
(2) وانظر"المجموع"للنووي (3/ 221 - 218) و"الانصاف"للمرداوي (2/ 320) .
(3) انظر"تحفة الحبيب"للبجيرمي (1/ 355) .
(4) رواه ابن أبي شيبة في"المصنف" (2/ 231) .