الصفحة 18 من 53

حيث ظهر أن الراجح هو اعتبار العرف في هذه المسألة فإن من مكملاتها ذكر بعض أسباب وتطبيقات السفر والإقامة؛ لأن فقه الأخبار الواردة في الترخص لا يُتصورُ تصورًا تامًا إلا بعد تأمل هذه الأسباب والتطبيقات العرفية.

ونظرًا إلى أن وصفي السفر والإقامة العرفيين نقيضان لا يجتمعان معًا، ولا يرتفعان معًا؛ فثبوت أحدهما نفي للآخر، وأننا قد نحتاج إلى استبقاء أو نفي وصف الإقامة فلا بد من معرفة حدود السفر عند أهل العرف؛ لهذا السبب ذكرت هنا الأسباب العرفية للسفر [1] :

السبب الأول: البروز من دار الإقامة ومفارقة عمرانها.

فمكان ابتداء السفر هو الأرض الفضاء التي لا عمران فيها، ومفارقة العمران مسألة عرفية [2] ؛ فلا يدخل في ذلك الضياع والمزارع [3] ، ولو كان الناس يقيمون فيها بعض الفصول [4] ، ومثل ذلك المعارض والمستودعات ومحطات الوقود، وإن كانت مزدهرة، وإذا جرت عادة أهل البلد بسكنى مزارعهم دومًا ـــ كبعض أهل الأرياف ـــ فلا بد من مجاوزتها [5] .

السبب الثاني: الطريق وطبيعة المركب.

فالطرق الوعرة التي تمر في الحرار والجبال والغابات تختلف في حكمها العرفي عن الطرق السهلة المعبدة؛ فخمسة عشر كِيلًا مثلا في جَوَادِّ جبال تهامة التي لا تُقطع إلا بالمشي أو الدواب قد تُعَدُّ سفرًا، بينما لا تُعَدُّ كذلك مع سهولة الطريق أو وجود المراكب السريعة، هذا في حال المسافة القصيرة، أما الشاسعة عرفًا فلا تأثير لنوع المركب؛ فتُعتبرُ سفرًا مهما كان المركب وطريقة السير؛ كما سيأتي في السبب التالي.

قال ابن تيمية عن اختلاف أحوال المسافرين بحسب اختلاف الحال:"وقد يكون في المسافة صعود، وقد يطول سفر بعضهم لبطء حركته، ويقصر سفر بعضهم لسرعة حركته، والسبب الموجب هو نفس السفر، لا نفس مساحة الأرض"اهـ [6] .

وقال:"فالسفر حال من أحوال السير لا يُحَدُّ بمسافة ولا زمان" [7] .

وقال عن حد السفر بالمسافة:"ولا يمكن أن يُحدَّ ذلك بحد صحيح؛ فإن الأرض لا تُذرع بذرع مضبوط في عامة الأسفار، وحركة المسافر تختلف، والواجب أن يُطلق ما أطلقه صاحب الشرع - صلى الله عليه وسلم -، ويُقيَّد ما قيَّده؛ فيقصر المسافر الصلاة في كل سفر ..." [8] .

(1) السفر يرجع تحديده إلى العرف أيضًا في قول جمع من المحققين من علماء المذاهب الأربعة وغيرهم، وأدلة ذلك ومرجحاته هي أدلة ومرجحات اعتبار العرف في الإقامة نفسها.

(2) انظر"تحفة الحبيب"للبجيرمي (2/ 172) ، و"مجموع الفتاوى"لابن تيمية (24/ 135) .

(3) انظر"المغني"لابن قدامة (3/ 113) و"مغني المحتاج"للخطيب الشربيني (1/ 360) .

(4) انظر"المجموع شرح المهذب" (4/ 226) و"حاشية رد المحتار"لابن عابدين (2/ 121) .

(5) وانظر"الوسيط"للغزالي (2/ 244) .

(6) "مجموع الفتاوى"لابن تيمية (24/ 40) .

(7) المرجع السابق (19/ 244) .

(8) المرجع السابق (24/ 13) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت