الصفحة 17 من 53

ومسلك الدوران وإن اختلف الفقهاء في اعتباره طريقًا لاستنباط العلة ابتداء إلا أن المخالفين في ذلك من فقهاء الأصول يعتبرون وجوده دليلًا على سلامتها من النقض، وعلامةً على شدة تأثيرها [1] .

أما ما جاء في أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وآثار بعض الصحابة والتابعين المذكورة؛ فعند تأملها لا تجد فيها ما ينتقض به اعتبار العرف، ولا ما يفسد دوران العلة مع الحكم.

فليس فيها حال واحدة ثبتت فيها الإقامة بمعناها المعروف عند الناس من وجود الطمأنينة واتخاذ سكن ومتاع المثل في مدة طويلة، ونية مستقرة، وفي مكان صالح للنزول، وغيرها من أوصاف الإقامة العرفية التي يَعْتبِرُ الناسُ النازلَ فيها مقيمًا.

والأصل هو عدم تحقق الإقامة بهذه الأوصاف حتى يُثبت المخالف وجودها؛ فإن لم يُثْبِتْ ذلك فالأصل هو بقاء السفر أو حكمِه.

فهذه الأحوال إنما هي من السفر، أو من توابعه عُرفًا، قال ابن تيمية رحمه الله:"... وقد أقام المهاجرون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح قريبًا من عشرين يومًا بمكة، ولم يكونوا بذلك مقيمين إقامة خرجوا بها عن السفر" [2] .

وقال ابن القيم في فوائد غزوة تبوك:"ومنها أنه أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة، ولم يقل للأمة: لا يقصر الرجل الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن اتفقت إقامته هذه المدة، وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر، سواء طالت أو قصرت إذا كان غير مستوطن، ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع" [3] .

وسيأتي مزيد بسط لفقه هذه الأحاديث والآثار.

وأما وجود زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - معه في أسفاره فلا ينتقض به هذا التعليل؛ وذلك لأن التأهل الذي يُعتبر به المرء مقيمًا عرفًا هو كون الزوجة مقيمة في المكان الذي ينزله المسافر.

أما إذا كانت هي مسافرة فلا تأثير لها في حال زوجها. بل قال كثير من العلماء: إن المرأة هي التي تتبع زوجها في حكم سفره وإقامته [4] .

وزوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَكُنَّ معه إلا مسافرات؛ فلا يعتبر وجودهن معه مفسدًا لهذه العلة، ولا مانعًا من دورانها.

الأسباب العرفية للسفر

(1) انظر"المستصفى"للغزالي (2/ 381) .

(2) "مجموع الفتاوى"لابن تيمية (24/ 139) .

(3) "زاد المعاد"لابن القيم (3/ 561) .

(4) انظر"المبسوط" (2/ 106) و"الإنصاف" (2/ 316) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت