الصفحة 16 من 53

الثاني: أن ذلك لكونه معلومًا عندهم من لغة العرب.

الثالث: أن سبب ذلك هو أنه أحالهم على ما هو معروف عندهم من معنى السفر والإقامة.

وليس ثمة احتمال رابع.

فالاحتمال الأول غير وارد، حيث لا يمكن أن يكون الحد معلومًا عند هذه الجموع أخذت علمه من الشريعة، حتى تصل درجة معرفته ووضوحه وانتشاره إلى ترك السؤال عنه، ودون أن يُحفظ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه علَّمه لهم ولو مرة واحدة، ودون أن يصل هذا الحد الشرعي إلى من بعدهم بالدرجة نفسها من الوضوح والانتشار.

وأنت عليم بمقدار خلاف الصحابة والتابعين في هذا التحديد، ولو كان علمه بهذه الدرجة من الوضوح لما اختلفوا.

والاحتمال الثاني غير وارد أيضًا؛ لما تقدم قريبًا من أن هذا الحد لو كان معلومًا من اللغة لنقلته الأمة.

فتعين الاحتمال الثالث وهو أنه اعتبر العرف.

وذلك لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يختص بالعلم به دونهم؛ كاختصاصه بمسائل التوقيف والتعبد التي لا تُعرف إلا من طريقه - صلى الله عليه وسلم -؛ فيحتاجون معها إلى بيانه.

ولكن الجميع يشتركون في معرفة حد الإقامة والسفر؛ فلذلك لم يبينه لهم، ولم يحتاجوا للسؤال عنه.

فكان اعتبار العرف هو المناسب لسكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن البيان وترك أصحابه للسؤال.

فصار في ظاهر هديه - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على اعتبار العرف في هذه المسألة؛ فيترجح على بقية الأقوال.

الوجه الثالث: أن تعليل العزيمة بوصف الإقامة العرفي مطرد منعكس.

ففي الطرد: أتم النبيُ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه صلاتهم في المدينة في أحوال هي عند أهل العرف من الإقامة، وهو مطرد كذلك حين لم يُحفظ ترخصٌ لمقيم مطمئن غير مستوطن، ولا حُفظ أيضًا ترخصٌ لمقيم إقامة عرفية معلقة بوقت أو تحقيق غرض، رغم عموم البلوى بمثل هذه الإقامات، وتوفر الهمم والدواعي على نقل الترخص فيها لو كان موجودًا.

وفي العكس: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يترخص في أحوال تُعتبر عند أهل العرف من السفر، أو من توابعه، أي ليست من الإقامة، سواء كان ذلك حالَ الشخوص والحركة، أو حالَ النزول في مصر أو فضاء، ولم يوجد في منازله - صلى الله عليه وسلم - ما يُعتبر فيها مقيمًا مطمئنًا قاطعًا لسفره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت