الصفحة 15 من 53

هؤلاء الفقهاء إلا في مكان معتبر عرفًا، أي أن من نزل مكانًا غير صالح للإقامة عادةً فهو مسافر، وإن اجتمعت له مدة كثيرة.

ومنه: اعتبار أكثر الفقهاء أن النازل للحرب غير مقيم مطلقًا، وإن جاوز المدة المعتبرة في مذاهبهم؛ لما يلحظ في الحرب من معاني الاضطراب والتردد وعدم الاستقرار.

ومن ذلك اعتبار بعض العلماء التأهل مؤثرًا في ثبوت وصف الإقامة وملغيًا لتأثير المدة التي يرونها حدًا لهذه الإقامة.

ومن ذلك حال العَزَب واعتبار مقر إقامة والدية مقر إقامة له.

ومن ذلك اعتبار المسكن سببًا للإقامة.

ومن ذلك اعتبار نوع هذا المسكن؛ فتُعتبر الإقامة للبدوي في الأخبية والخيام في البرية، ولا تُعتبر للحضري في مثل هذه المساكن.

ومنها اعتبار العلماء لأثر اتخاذ المتاع والأثاث في بعض الأحوال.

ومن ذلك سقوط اعتبار الوطن إذا مر به المسافر عابرًا.

ومما يُعتبر من نتائج اعتبار العرف: ما في مذهب أحمد في قوله الآخر، وهو أن من أقام لحاجة ينتظر نجاحها بلا نية إقامة فهو مسافر، ولو نوى أكثر من مدة الإقامة في المذهب، إذا كان يحتمل قضاؤها قبل المدة.

ونحو ذلك في مذهبي أبي حنيفة والشافعي كما سيُذكر هناك.

فاعتبار أولئك العلماء هذه الأمورَ العرفيةَ دون جعل المدة معيارًا وحيدًا لثبوتها هو الملائم لظاهر هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمل الصحابة رضي الله عنهم.

فهذا يؤكد أن المدة عندهم ليست علة مطردة في الترخص أو عدمه، وإنما هي ضرب من الاحتياط [1] .

ولعل الواحد منهم حين اعتبر حصول الإقامة ببعض هذه الأسباب قد نظر إلى الإقامة من بعض زواياها، ولا يعني ذلك عنده ضرورة أنه لم يعتبر أسبابًا أخرى لثبوت هذه الإقامة.

الوجه الثاني: أن ظاهر هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - يدل على ذلك.

فقد كان يرافق النبي - صلى الله عليه وسلم - في أسفاره وإقامته عدد كبير جدًا من أصحابه، وقد سكتوا عن سؤاله عن سبب ترخصه في أوقات مسيره ونزوله أثناء سفره؛ كما سكتوا عن سؤاله عن سبب تركه للرخصة في نزوله في المدينة، وسكت هو - صلى الله عليه وسلم - عن بيان هذا السبب في الحالين؛ فلا يخلو هذا الإطباق على ترك السؤال، وسكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن البيان من احتمالات ثلاث:

الأول: أن سبب ذلك هو كون الحد معلومًا عند الصحابة - رضي الله عنهم - من الشريعة.

(1) انظر"مجموع الفتاوى"لابن تيمية (24/ 140، 141) وفيها أنه سئل أحمد عن سبب قوله بالإتمام فيما زاد عن الأربعة فقال: أنهم اختلفوا فيأخذ بالأحوط فيتم، فعلق على ذلك ابن تيمية بقوله:"فأحمد لم يذكر دليلًا على وجوب الإتمام، إنما أخذ بالاحتياط".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت