أولها: وهو أعظمها أثرًا، فساد الحكم عند الحكام، وصيرورته ملكية تتغالب مع غيرها، وتطبيق قانون الغابة على المسلمين بعضهم مع بعض، فلم يفرِّق الحكام بين حكم نبوي يستمد أصوله من الإسلام وحكم الغلب والقهر. وأن فساد الحكم نجم من ثلاثة عناصر مخالفة كل المخالفة لأحكام القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم:
(أ) إهمال الشورى عند تعيين الحاكم، وفي حكمه، فإنّ الله تعالى قال: (وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) [سورة الشورى: 38] ، وأنّ ذلك يقتضي ألاّ يختار الحاكم إلاّ بشورى المؤمنين، وأن تكون بعد الشورى حرية المبايعة، وأن يوفى الحاكم بحق البيعة، ويوفى المحكوم بحقها، وحقها من الحاكم العدل، وألا يهلك الحرث والنسل، وأن يعمل ما فيه خير المسلمين، وأن يستشير حتمًا أهل الرأي والخبرة على حسب النظام الذي يناسب الزمان، وحقها على المحكوم الطاعة في غير معصية الله تعالى [1] .
(ب) من عناصر الفساد جعل الحكم وراثيًا، يتلقاه الخلف عن السلف كأن الشعوب مادة تورث، ومن فساد الحكم إهمال الأحكام الإسلامية فتشيع المحاباة وتباح الدماء ويهمل القصاص، وتُضيَّع الحدود التي أمر الله تعالى بإقامتها، فريضة محكمة لا مناص من اتباعها والقيام بحقها.
(ج) وشر مظهر من مظاهر الفساد في الحكم الإسلامي، أن يستعان بغير المسلم على المسلم،كما استعان الفاطميون على الأيوبيين بالصليبيين، وكما استعان بعض حكام المسلمين في العصر الحديث بأمريكا على ضرب أفغانستان والعراق حيث نشاهد ما يعانيه إخواننا في العراق وأفغانستان وفلسطين، ومن هذا النوع سكوت الحاكم المسلم القوي عن معاونة من يستغيث ولا مغيث، وتركهم سليم الأول وسليمان القانوني حتى شُرِّدوا، ومزقوا كل ممزق، وذهبت دولة الأندلس.
(1) الوحدة الإسلامية، الإمام محمد أبو زهرة ص234 طبعة دار الفكر العربي، ط2 1397هـ - 1977م.