وعلق محمّد بن السحن على ذلك قائلًا: (تركت الاستحسان للقياس، كما لو قرأ آية سجدةٍ في آخر سورة فالقياس الاكتفاء بالركوع، والاستحسان: أن يسجد ثم يركع؛ لأن سماه استحسانًا؛ لأن الاستحسان وحده وإن كان أقوى من القياس لكن أنضم إلى القياس شيء آخر، وترجيح المجموع عليه، فإنه تعالى أقام الركوع مقام السجود في قوله
تعالى: (وخر راكعًا وأناب (( 16) .
وهذا يقتضي أن كون جميع الشريعة استحسانًا فوجب أن يُزاد فيه مغايرة ذلك الوجه للبراءة الأصلية، وبهذا يكون تعريفه (ترك وجه من وجوه الاجتهاد مغاير للبراءة الأصلية والعمومات اللفظية لوجه أقوى منه، وهو في حكم الطارئ على الأول) (17) .
ثم قال: (إنّ أصحابنا أنكروا الاستحسان على الأحناف، والخلاف ليس في اللفظ لو روده في قوله تعالى: (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها (( 18) وقوله تعالى: (فيتبعون أحسنه (( 19) وقوله ـ صلى الله عليه وآله ـ:"ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن" (20) . ولا معنى له إنّ لم يرد فيه إجماع. وقول الشافعي في المتعة: (أستحسن أن يكون ثلاثين درهمًا) (21) . وفي الشفعة: (أستحسن أن يثبت للشفيع الشفعة إلى ثلاثة أيام) (22) . وفي المكاتب: (أستحسن أن يترك عليه شيء) (23) . بل في المعنى، وهو: أن القياس إذا كان قائمًا في صورة الاستحسان متروكًا فيها معمولًا به في غيرها لزم تخصيص العلة، وهذا عند جمهور المحققين باطل، فبطل الاستحسان.
وعرفه الغزالي بقوله: للاستحسان ثلاثة معان:
1 ـ إنه الذي يسبق إلى الفهم، أي: ما يستحسنه المجتهد بعقله.
2 ـ إنه دليل ينقدح في نفس المجتهد لا تساعده العبارة، ولا يقدر على إبرازه وإظهاره. ولعل ما يقابل ذلك في اصطلاح الفقهاء الإمامية بـ"الذوق الفقهي"، إلاّ أن
حجيته تتوقف على حجية المنقدح منه، فلا معنى لجعله أصلًا قائمًا بنفسه (24) .
3 ـ وهو منقول عن الكرخي، وبعض أصحاب أبي حنيفة ك أنّه قول بدليل يندرج تحته أجناس:
منها: العدول بحكم مسألة عن نظائرها بدليل خاص من القرآن،
ومنها: أن يعدل بها عن نظائرها بدليل السنة (25) .
وقريب من هذا التعريف وغيره في البعد عن فن التعريف ما نسب إلى المالكية من أنّه: (الإلتفات إلى المصلحة والعدول) (26) .
وذكر السرخسي عدة تعاريف في مبسوطه منها:
1 ـ القياس والاستحسان في الحقيقة قياسان:
أحدهما: جلي ضعيف أثره، فسمي"قياسًا".
والآخر: قوي أثره، فسمي"استحسانًا"، أي: قياسًا مستحسنًا.
2 ـ الاستحسان: ترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس.
3 ـ الاستحسان: طلب السهولة في الأحكام فيما يبتلى به الخاص والعام.